في القراءة المتأنية لخطاب العرش السامي الذي افتتح به جلالة الملك عبدالله الثاني أعمال الدورة العادية الثانية لمجلس الأمة التاسع عشر في الثالث عشر من تشرين ثاني الجاري، ثمّة موضوعات وزوايا أخرى تشدنا إليها المضامين الهادفة التي أوردها جلالته واعتبرها ثوابت أردنية لم تتخل عنها المملكة الأردنية الهاشمية التي تواصل التمسك بها وتدافع عنها بكل ما أوتيت من حضور وتأثير عالمي في هيئات ومؤسسات المجتمع الدولي ليؤكد الأردن اليوم بقيادة الملك عبدالله إنه وكما كان على الدوام سيبقى جزءًا فاعلًا من أمته العربية، ورافدًا أ?اسيًا من روافد العمل العربي، وأنه لسوف يسعى باستمرار لتحقيق الوفاق والاتفاق، وقيام علاقات من التعاون البناء بين جميع الدول الشقيقة وتجاوز جميع أسباب الخلاف والاختلاف، انطلاقًا من وحدة الهدف والمصير المشترك.
ويقول جلالته في الخطاب «يواصل الأردن القيام بدوره المحوري في الإقليم بمواكبة المتغيرات المتسارعة من حولنا في المنطقة والعالم، مستثمرا هذا الموقع الجيوسياسي المتميز، الذي يمثل نقطة ربط حيوية بين الدول، ولابد من اغتنامها عبر بناء شراكات عربية وإقليمية واسعة تحقق المصالح المشتركة وتعزز مكتسباتنا الوطنية»، ولعلّ مثل هذه الأقوال التي يرددها جلالته هي التي شكلت ومنذ تسلم سلطاته الدستورية القاسم المشترك ومحور لقاءاته وكلماته وجهده السياسي والدبلوماسي المكثّف والحراك الذي قاده ويقوده محليًا وإقليميًا وعالميًا لاست?رار حشد التأييد الدولي لقضايا الأمتين العربية والإسلامية التي تتقدمها قضية فلسطين باعتبارها المركزية بالنسبة للأردن، وجاء ذلك مؤكّدًا في إحدى فقرات خطابه بقوله «هذا الدور المحوري للأردن سيبقى منصبا على الدفاع عن القضية الفلسطينية، التي كنا وما زلنا وسنبقى على مواقفنا الداعمة لها، وهي على رأس أولوياتنا».
رسالة الأردن واضحة يتبنّاها جلالة الملك ويذود عنها ويوظّف من أجلها طاقاته وإمكاناته وحجم الاحترام والتقدير العالمي الذي يحظى به جرّاء وضوحه وصراحته المعهودة ومكاشفته أمام صُنّاع القرار بكل جرأة وبلا تردد بأن للشرق الأوسط قضية محورية لا بد وأن تجد طريقها للحل، ويقصد بها فلسطين مبتدأً وخبرًا، وعبر القنوات والمبادرات التي تقرّها الشرعية الدولية القائمة على حق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على ترابه الوطني على خطوط الرابع من حزيران عام 1967، وعاصمتها القدس الشرقية.
عمق الرؤية الشمولية التي يتمتع بها جلالة الملك تجعله يضع الأمور في نصابها الصحيح بمنتهى الدقة اللافتة، وفي هذا جاءت دعوته المعلنة في خطابه عندما ذكر بأن غياب آفاق الحل السياسي ينبغي «ألا يحول دون مواصلة العمل من أجل دعم الأشقاء الفلسطينيين اقتصاديا، لتعزيز صمودهم على أرضهم وتثبيت حقوقهم المشروعة»، ثم يزيد حفظه الله على ذلك بالتحيّز لصالح الأردن وتجسيدًا للحقيقة التاريخية بأننا في الأردن «الأقرب إليهم سنعمل على أن يكونوا شركاء أساسيين في المشاريع الإقليمية ولا نقبل بتهميشهم»، جاءت تأكيدات جلالته على مواصلة ?لأردن لهذا الدور المشرّف في خدمة فلسطين أرضًا وشعبًا وقضية.
خلاصة القول إن زاوية خطاب العرش في جانبها العروبي والقومي كانت معبّرة عن قناعة أردنية تترجمها المملكة الأردنية الهاشمية اليوم بقيادة جلالة الملك عبدالله الثاني بمواصلة تفعيل علاقات الأردن الدولية في إطار من التعاون والمصالح المشتركة والاحترام المتبادل وتوضيح دور الأردن وواقعه ومسؤولياته والمشاركة الفاعلة في المؤسسات الإقليمية والدولية.
Ahmad.h@yu.edu.jo