كتاب

النسيج المجتمعي.. من يُمزقه ومن يرتقه (1/2)

نسير في ركاب الأيام، وقافلة الزمان والمكان تجمعنا بلغات الأرض قاطبة، وبشعوبها وبما تحويه من ديانات وتقاليد وعادات، لنعود من كلّ رحلة بزيادة الألفة والمودّة في قلوبنا، وذلك حينما نرسم الابتسامة على محيّا الإنسانية.

فالابتسامة هي البرهان على وجود حياة، كما أنها خيوط الأمل التي ننسج بها بساطَ الراحة والسعادة، ودون الابتسامة لا تبحث عن حياة.

وإنّ الإنسان بطبعه يألَفُ ويُؤْلَفُ، وتلك صبغة الله التي صبغ الناسَ عليها، ومن هنا تشكّلت المجتمعات، يحدوها الأملُ في البناء والحماية والحفاظ على المقدِّرات والممتلكات بأنواعها، المادية والمعنوية على حدٍّ سواء.

فقد عاشت حضارات، وتعاقبت بين الفينة والأخرى على الصدارة هنا أو هناك، ومع كل حضارة يكون الحرص على المجتمع من أولى الأولويات، غير أن ذلك الحرص يختلف بمنسوبه بحسْب المصداقية التي تقوم عليها تلك الحضارة.

ففي العصور الوسطى، نجد أنّ المجتمع ينعصر لأجل فئة ينحصـر فيها البذخ والترف، والقرار والفرار، فقرار يُجحفُ، وفرار من الزحف حيث القلاع، ولا ردّ الله من هم خلف الأسوار. ففي هذه مثل الصورة القاتمة، أطلق عليه: عصور الظلام.

في المقابل نجد في الإسلام ما هو واضح للعيان، ليس بحاجة لتزويق ولا زركشة، من أن المجتمع هو أولى الأولويات، ففي نصوص القرآن والسنّة، نجد النجاح والفلاح، ومنع الاعتداء على الآخرين، ولو في الطاعة، فلا إشهار للسلاح ولو في المسجد، ولا لخدش المنظر العام ولو بنخامة، ويدخل رجل الجنة حينما نحّى شوكة من طريق الناس، وتدخل امرأة في هرّة حبستها، والأمر بتقبيل الأبناء، وعدم التفريق بين الولد والبنت، وتقديم بر الأم على الأب.

وهذا أبو بكر الصديق يحلب الشاةَ لامرأة عجوز، ويسابق على خدمة عجوز عمياء وهو خليفة سيّد الأنبياء، وعمر بن الخطاب يحملُ همّ شاة أو دابّة على بعد ألف ميل منه، وعثمان يقضي نحبه، حفاظا على دماء المجتمع، وعليٌّ يمنع الثأر، ويقرر القضاء ويلزم الناسَ بالحكومة لمنع الفوضى.

وتستمرّ المسيرة في صورة عظيمة، حتى مع الاستعمار، نجد أنّ العالمَ الإسلاميّ، يمنع مقاتلة أبناء المستعمرين، ويعفو عن كلّ الذي مضى ويكون المسلمون أداة بناء على امتداد العالَم، ومن خالف منهم في السعي لغير البناء، منعوه هم قبل غيرهم.

هذه الصورة النقيّة لدى المسلمين، ينافسهم غيرهم في العمل بالنقاء والصفاء في المجتمعات الإنسانية، فهي بطبعها مليئة بالمودة والمشاعر الإنسانية.

ولكن.. مع كلّ النداءات التي نسمعها ونعايشها من عقلاء العالم، في الدعوة لبناء المجتمعات على الصلاح والإصلاح، وتقبّل الآخرين، وأن نتعايش في سِلم وسلام، نجد هناك مَن يخرق السفينة، وهم في غالبهم: مجازفون ولا ينظرون أبعد من بطونهم.

إنّ البناء مُتعبٌ كثيراً، ويكلّف كثيراً، والهدم قليل في الحاليْن. غير أننا نجد العاشقين للبناء مع كثرتهم، لا يحافظون على ما يشيّدونه في مجتمعاتهم، ويكأنّ لسانَ حالهم يقول: يكفينا أننا نبني وحسْب. في حين أنّ العاشقين للهدم، أذكياء «أو قل غير ذلك»، يبذلون الجَهد ليحققوا مآرب ليس لها مبدأ ولا قرار، سوى الحقد على المجتمع، وهوى أنفسِهم الذي لا يمتلئ إلا برؤية الدمار.

وبين الذين ينسجون للمجتمع ظلاله ودَلالَه، والذين يخرقون الظل ويمزقون السلال والظلال، ويرمون الحجر في بئر شربوا منه، هم وآباؤهم الأوّلون، نجد بينهم البونَ شاسعا والأبعاد مترامية الأطراف، وهنا لن يجدي نفع، سوى قرع سياط الحقّ والقانون على رؤوس الغاشمين.

agaweed1966@gmail.com