كتاب

«تواطؤ الأضداد..»

في الأزمان الرخوة، كتلك التي نعيشها، تتزايد الحاجة إلى العودة إلى تقليد ثقافي عريق، قوامه الأساسي نقد التناقضات، والصعوبات التي يعاني منها الإنسان في المجتمعات الصناعية المعاصرة، بما في ذلك المجتمعات المتشكلة على هوامشها وأطرافها. وهو تقليد ثقافي شكّل مدرسة فلسفية فاعلة، تقوم على طرح مشكلات العالم المعاصر، عبر مفاهيم بارزة؛ الاغتراب، التشيُّئ، العنف المتفاقم، الحضارة القمعية، سيطرة التقنية على حرية الإنسان، وغيرها.

وهي مدرسة تشكل في مضمونها توجها فكرياً قائماً بذاته، يقود إلى تجاوز آليات السيطرة والقهر في المجتمع الصناعي، وصولاً إلى نقد البنية العقلية، والمشاريع الفكرية، القابعة خلف خراب العالم.

وهنا، لا بد من التنبه إلى أن القراءات الفكرية، سواء كانت غربية حديثة أو عربية قديمة، شيء، ومواكبة المستجدات الفكرية والطفرات المعرفية شيء آخر تماما. كما أن منهجية النقد المطروحة هنا تقضي بالموازنة بين مختلف الاتجاهات والهموم، كالاهتمام بالفرد من دون نسيان المجتمع، والاهتمام بالعالمي من دون التخلي عن المحلي، والاهتمام بالفكري والنظري من دون الابتعاد عن الواقع المعقد والمباشر.

فالتقدم العلمي والتقني، الذي اجتاح العالم، لم يوصل إلى عالم مسالم وعادل، أو عالم أكثر حرية وإنسانية، بل ربما كان العكس تماما هو ما حدث، فالإنجازات التقنية، وعلى الرغم من أنها ساعدت الإنسان في السيطرة على الطبيعة، وتحقيق حدود من الرفاهية والوفرة الاقتصادية، إلا أنها، في الوقت ذاته، جلبت للبشرية حروبا هائلة، راح ضحيتها الملايين، وقنابل نووية، وإعلاما منحازا، تحوّل فيه الإنسان إلى مجرد تابع لآليات التقنية ولمصالح الشركات الكبرى.

وفي سياق حشود المشكلات، التي يعاني منها العالم العربي، اجتماعية وسياسية وثقافية، يأتي نقد مشروع الحداثة العربي، كواحد من الضرورات الملحة. وهو ضرورة، لأنه، إن حدث، فإنما يؤسس إلى فكر نقدي جديد ومختلف. فالمثقفون العرب، وعلى اختلاف مرجعياتهم، كانوا من حيث الشكل مفكرين تقدميين وعقلانيين وتحرريين، أما في الجوهر فقد كانوا لاهوتيين تقليديين، عابدين لمذهب معين، على حد تعبير المفكر اللبناني علي حرب. فتحولت كل جماعة ثقافية إلى الاصطفاف وراء زعيم معين، عالمي أو محلي. ما أدى إلى ضياع الفواصل بين الأصولي والحداثي، وبين?الطائفي والمقاوم للغرب، وبين الاشتراكي والعشائري.

وهنا، تصعب تبرئة أحد، فالمآزق والخراب، الذي آلت إليه أحوالنا، هو من صنعنا نحن أولا، أما الغرب ومصالحه الاستعمارية، فتأتي بالدرجة الثانية من حيث المسؤولية. لأن من حقائق الأشياء؛ أن كل أمة هي المسؤولة عن تسامح فئاتها، وعن تفاهم أفرادها وحماية مصالحها.

بحرٌ من الفتن الطائفية، والحروب الأهلية، والصراعات السياسية، يجتاح البلاد والأمة، ووسط كل هذا الدمار والخراب، والعنف الداخلي المتزايد، تتضاعف الحاجة إلى مشروع ينقذ الأمة. ولكن، كيف..؟

بالعقل التواصلي، والحوار الإيجابي، والحس النقدي، والمسؤولية الأخلاقية، كمفاهيم يعوّل عليها، لتحقيق فهم عقلاني ومنطقي للمجتمع العربي. بحيث تسود لغة الحوار والتسامح والنقد البناء، بدلا من روح التعصب والتكفير والإقصاء. هذا ما يقترحه المفكر اللبناني علي حرب، في كتابه تواطؤ الأضداد؛ الآلهة الجدد وخراب العالم.

وهنا، تقضي الحقيقة بالتساؤل عن الإمكانية التي توفرها الأضداد للحل أو للنقد أو للخلاص، عند تواطؤها، سيما إذا جرى تتويجها آلهةً جديدة فوق ركام الخراب...؟!

fafieh@yahoo.com