كتاب

واصــف عــــــازر

مات واصف عازر، الوزير والعين الأردني الدمث المتواضع الجم الذي لم يقبل القسمة عبر مسيرته العملية الطويلة إلا على امتداد مساحات الوطن من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه، حتى عُدّ نقطة التقاء مختلف ألوان الطيف الاردني، الأمر الذي لم يتأت لأبي خالد بمحض المصادفة، أو لمجرد حسن الطالع، إنما من حسن قراءته للمعادلات الداخلية ولرؤيته لموقع الأردن في الإقليم، وإدراكه لطبيعة التحديات التي تواجهه، إضافة الى مزاياه الشخصية في نظافة الكف وعفة اللسان ونقاء القلب والنأي عن التلون أو التقوقع خلف ستائر ومفاهيم طائفية ضيقة?أكل عليها الزمان وشرب، وبهذا الأفق المتسع لم يكن واصف عازر رجل سياسة فذّا أو رجل ادارة مبدعا، أو رجل علم واقتصاد ألمعيا، أو رجل مواقف ومبادئ وإقدام فحسب، وإنما كان رحمه الله كُلّ هذه الخصال جميعها في رجل دولة يعتبر بحق احد الاقطاب الذين ساهموا في بناء الأردن الحديث.

شخصيًا عرفت المرحوم عازر في شباط من العام ألفين وثلاثة عشر عندما أكرمني وأفاض عليّ عبر لقاء مطوّل امتدّ لساعات تحدث فيه عن تاريخه وتنقله وترحاله منذ ولد في قرية الحصن في محافظة اربد في التاسع والعشرين من آب من العام ستة وثلاثين، ومن ثم انتقاله إلى عمان في العام ثلاثة وخمسين، ليكتب صفحات من حياة متنوعة انشطرت بين حقلي العمل الاقتصادي والسياسي، فمن كاتب يعمل بجداول ضريبة المسقفات في وزارة المالية الى شركة الفوسفات الاردنية فالبنك الأهلي الاردني فوزارة الصناعة والتجارة وغيرها بصمات ومنجزات كونت قاسما مشتركًا ?ي حياة واصف عازر ما جعل منه موضع فخر واعتزاز كل من عرفه، حتى إذا ما انتهت الفترة الزمنية التي حددها قبيل الموافقة على العودة الى شركة مناجم الفوسفات، انهالت عليه الاتصالات من هنا وهناك تدعوه للبقاء في أداء مهمته وهي دعوات مشفوعة باعترافات الخبرة والنظافة والنزاهة والاستقامة.

ولأن عازر كان يمثل ذاكرة وطنية تنفع الناس وتمكث في فكر ووجدان الأجيال القادمة، فقد كان الرجل «كنزا أردنيا» ومثالا حيّا للهامات الاردنية العالية التي آمنت بهذا البلد الهاشمي بقيادته الحكيمة، فإننا به أمام شخصية كان لها وزنها ودورها الذي لا يمكن إنكار مفرداته ومنجزاته التي كتبها بمقدار الثقة التي استودعها فيه الوطن، تلك المنجزات والإسهامات الرائدة في بناء الأردن الحديث الذي اعتمد على إيمان قيادته بكفاءات ومؤهلات شعبه المثقف والواعي لما قُدِّر له أن يواجهه من تحديات وتطورات محلية وإقليمية ودولية كبيرة.

Ahmad.h@yu.edu.jo