في أزمان العرب الحديثة، لم تستطع الأمة أن تخلقَ مَعِدَةً معرفية، تكون قادرة على هضم كلّ ما يصلها، عبر تواصلها مع شعوب الأرض. فصارت علاقة وعائها المعرفي بالمعارف الأخرى تماماً كعلاقة أفرادها بالسلع الاستهلاكية ووسائل الحياة الحديثة. فعلى مستوى المعرفة، كما على مستوى الصناعة والاقتصاد، هناك فروق أساسية وجذرية، بين الهضم والإنتاج وبين الاستهلاك والاستخدام.
ويزداد الأمر تعقيداً، حين يتعلق الأمر بالمعرفة، بكلّ فروعها. فكلّ أمة تنتج مفاهيمها، السياسية والثقافية والعسكرية والاقتصادية، بدلالات محددة وواضحة، ويصعب نقلها، من دون هضم حقيقي، إلى أمة أخرى، حاملة ذات الدلالات والمعاني. فالأمم الحيّة والفاعلة هي التي تهضم، وتنتج بدائلها الموازية، أما الأمم الراكدة والكسولة، فتستهلك وتبلَعُ وتستخدم، ومن دون هضمٍ حقيقي، يقوم بتفكيك ما وصل إلى المعدة إلى عناصره الأولية. وهنا لا يتوقف الأمر عند انعدام الفائدة فحسب، بل يتعدّاه إلى الترهّل، وإلى مراكمة جهاز مفاهيم هائل، لا يع?ي في دلالاته شيئاً سوى الثرثرة ولَوْكِ الألفاظ بلا معاني حقيقية.
فمصطلح الليبرالية، مثلاً، يعني عند الكثيرين، في بلادنا، الانفتاح والحداثة. وعند آخرين منّا يعني التفكير المستقلّ، والخروج عن الأنساق السائدة في المجتمع. في حين أن المصطلح في الأصل ذو مغزى اقتصادي، وما يرتبط بذلك من دلالات سياسية مباشرة، في حياة وواقع المجتمع الأميركي الذي أنتجه. فحين يقول الأميركيون عن أحدهم أنه ليبرالي، فهذا يعني أن الشخص المقصود هو من مؤيدي المساواة بين الأعراق، بعيداً عن الأصل الإثني ولون البشرة. وَصِفةُ ليبرالي، في الولايات المتحدة، تعادل أو تقابل، على نحو ما، صفة يساري في أوروبا..!
والليبرالي وصفٌ، جرى إطلاقه على التيار الداعم للرئيس الأميركي فرانكلين روزفلت، أثناء مواجهة الأزمة الاقتصادية الكبرى عام (30/1929). وكانت الخطة العريضة للرئيس روزفلت، ولداعميه، الذين وُصفوا بـالتيار الليبرالي، تقوم على؛ انتهاج سياسة تعزّز دورَ السلطات العامة، في منظور إصلاح آليات السوق، وضمان توزيع أكثر عدالة للثروة، بحيث يمكن تحقيق حالة أفضل لمبدأ المساواة، إلى جانب تعزيز دور النقابات العمالية.
من هنا، وهكذا، تمتلئ الرؤوس بـالقشّ القذر، وتختفي الرؤوس المشتعلة بـالأفكار والأحلام والآمال العظام، في حياة الشعوب. وتنزوي بعيداً أدوار مَن هُم معنيون بإثارة أسئلة الأخلاق والفضائل، وبحمل رسالة وفلسفة تسبق الرأي العام. حيث يشعر عندها رجل الشارع، والقارئ العادي، بأنّ مَن يكتبون له ليسوا بأفضل منه في معارفهم. وتتزاحم، في حياة الأمة الضائعة، مفاهيم الثقافة الخاوية.
لا حلّ، في ديكتاتورية المفاهيم وسُلطتها وفوضاها، سوى إعادة إنتاج جهاز مفاهيم قادر على تفكيك مفاهيم المعرفة الأجنبية إلى عناصرها الأولية، ثم إعادة إنتاجها ضمن البيئة المحليّة العربية وأزماتها ومشكلاتها. بهذا تكتسي المفاهيم ودلالاتها معانيَ حقيقية ميدانية، ووثيقة الصلة بالواقع العربي، من خلال تفاعلها مع تفاصيله المحليّة. وفي هذا أيضاً يكون إسهاماً في إثراء المعرفة الإنسانية بمضامين جديدة وغنية للمفاهيم نفسها.
FAFIEH@YAHOO.COM