جدول الأعمال المزدحم المدرج على برامج جلالة الملك عبدالله الثاني لم يمنع جلالته يوم أول من امس من القيام شخصيا بزيارة ملكية انسانية مباشرة إلى عائلة أردنية تقيم في مخيم الشهيد عزمي المفتي في محافظة اربد ضاقت بها سبل الحياة ذرعا فراح بنفسه يرافقه فيها سمو ولي عهده الأمين متفقدا احوالها ليقف المرء حائرا وهو يبحث عن عنوان محكم شامل يصف به الموقف البليغ الذي أكاد أجزم انه لا يتكرر في مكان آخر إلا على هذه الأرض الأردنية المباركة.
قوة الشخصية وعمق تأثيرها وحضورها التي ميَّزت الملك عبدالله الثاني اقترنت بصفات جميلة تمتع بها، إذ كانت هذه الشخصية العالمية الفارضة حضورها بقوة شخصية حنونة وعطوفة سريعة التأثر بالمواقف الإنسانية كما أن الشعور بالمسؤولية الإنسانية كانت هي الصفة الأبرز في شخصية الملك عبدالله، وقد سُجلت أحداث عدة لم يستطع فيها الملك عبدالله تمالك نفسه أمام العامة متأثراً بمواقف إنسانية؛ لم يستطع كبرياؤه ومكانته من أن يحولا دون انهمار دموعه لانه قبل أن يكون ملكا هو إنسان وفي حد هذا الوصف كفاية.
نال الملك عبدالله الثاني احترام وتقدير العالم كزعيم عالمي استثنائي، ليس للقوة والشجاعة التي عرف بها في مواقفه السياسية ازاء قضايا الامتين العربية والإسلامية وحسب، بل أيضاً بالمحبة التي فاضت بها مشاعره على الناس في كثير من بقاع العالم، فبادلوه الحب بالحب والعطاء بالوفاء، ولست اخالف الحقيقة الجلية التي كرسها في المشهد الوطني حتى باتت احتمالية مشاهدته في شارع عام يتفقد صاحب بقالة او رجلا طاعنا في السن يبتاع على عربة او امرأة افترشت(بطانية) على الرصيف باحثة عن رزقها بكرامة وهي تنادي بالمارة لشراء ما احضرته في ?لك اليوم فيجثو الملك أمام هؤلاء على رجليه وابتسامته تعلو محياه وهو يثني على شجاعتهم أولا ويبارك عطاءهم ثانيا ويستمع إلى ما بجعبتهم من اسئلة ويلبي ما استطاع إليه سبيلا من حاجاتهم بانسانيته المعهودة التي غلبت عنده على ما سواها.
مجموع هذه المزايا في شخصية الملك عبدالله تبلورت جميعها في أهم الصفات التي ميزته كقائد وهي الحكمة والحلم. وقد كان من أكثر الحكام في العالم الذين أحب الناس أن يطلقوا عليهم ألقاباً وكُنى تُعبّر عن مشاعر الحب تجاههم، وهي الألقاب التي كانت تصطدم بتواضعه الجم مما جعل أكثر تلك الألقاب التي لازمته وما زالت كما اراها محللا هي لقب «ملك الإنسانية» «ملك المبادرات» و”ملك الإصلاحات».
دلالات متنوعة ورسائل عديدة يمكن قراءتها عبر اكثر من زاوية حال جئنا نمعن النظر فيها بدقة ترتبت او تضمنتها زيارة جلالة الملك وسمو ولي العهد إلى اسرة أردنية معوزة في احد مخيمات الوطن الأردني ابرزها بلا مجاملة تأكيد حجم محبة جلالته لسكان هذه المخيمات التي طالما كان عبر سنوات حكمه يعتبرها جزءا مهما من مكونات النسيج الأردني، وفي الذاكرة القريبة قيامه بزيارات متتالية إلى معظم المخيمات المنتشرة على امتداد مساحات المملكة ولقائه بوجهائها والتأكيد على أهمية دور رجالاتها في إسناد جهود تعزيز التنمية المستدامة كل حسب مو?عه، ثم تأتي الدلالة الثانية التي ارادها من وراء الزيارة وهو يؤكد للأردنيين حقيقية جوهرية اعلنها صراحة منذ تسلم سلطاته الدستورية بقوله أن شعوره بكونه مواطنا من الأسرة الأردنية الكبيرة لا يدانيه شعور، لننتقل بعدها إلى الرسالة التي تحمل أيضا مؤشرا عظيما على السادة المعنيين في مؤسسات الدولة التقاط اشاراتها ليترجلوا من مكاتبهم الوثيرة المتنعمون بها بحكم مناصبهم، للنزول إلى الميدان وتفقد احوال المواطنين والإشراف على تنفيذ مشاريع البناء والاستماع إلى ملاحظات الناس وتمكين تنفيذها ضمن أقصى طاقات وإمكانات متاحة.
يطول البوح في مضامين زيارة جلالة الملك التي استثارت فينا مشاعر جياشة جسدها القائد الرائد الذي لا يخذل رجاء اهله لتبقى العلامة الفارقة التي تميزت بها سيرته أن آثارها باقية في وجدان الأجيال كما هي محفورة في صفحات التاريخ، وتلك نعمة من الله لا ينالها الكثيرون.