في طور التسارع مع الزمن، والتصارع على المكان والمكانة، ومقارعة الخطوب التي جلّها أوهام، وكم من الأوهام أثقلُ من الغمام، وأسود من الغراب الأبقع، ولا يؤدي إلا إلى التصرف الأرقع.
في مثل هذه الأحوال التي تلفّ العالَم بشملتها المنقوش عليها: «هكذا هي الدنيا». يحاول النّاسُ بفطرتهم أن يبحثوا عن بصيص النور، ليلجأوا إليه عازفين عن الخوف ومكابدة الحياة، إلى الأمن والأمل، وتحقيق الرفاهية لأيامهم التي يقضونها في الدنيا، ويزاد الذين آمنوا إيمانا بموعود الله لهم في الجنة والفردوس الأعلى، فيحققون أعلى درجات الأمل بالله تعالى، وبأعمال الخير التي يحاولون زراعتها على طريق الأجيال.
وإننا في الأردنّ نعيش حياةً يحسدنا عليها كثير من الناس، وخصوصا ممَّن فَقدَ كثيرا من خيراتها، وفي ذات الوقت، يحاول البعض منا، أن يلجأ إلى اليأس رغم الأمل، ويفزع إلى الخوف والقلق رغم الأمن والاستقرار.
والعبرة ليست بمن يكون شكواه عن ألم ألمَّ به، كما أننا لا نعيب على صادق يحاول بثّ الروح المعنوية للعمل والجدّ والنشاط في طلب الرزق الحلال.
ولكن التحذير ممن يزدري نعمة الله عليه، ويسعى في الأرض فسادا، بلسانٍ يدغدغ المشاعر، وتراه يعيش البغددة، ويخاف نقصان زيادته، واضمحلال نعمته، فيلجأ إلى بثّ الإقلال بين الناس، وتوجيه أنظارهم إلى آفاق سوداء إلى حيث شمس الأصيل وأزوف النهار، ولا يحثهم على شمس الشروق وانتظار بزوغ الفجر والعمل ووقت البركة.
ومع الأيام، وما نخوضه من تجارب في صياغة الحلول المباشرة، للعديد من المشكلات المجتمعية نجد أنّ شكوى كثير من الناس ينتابها «الكنكنة»، لإبعاد الناس عن ما يملكونه ويدخرونه، ولا نعتب عليهم في كثير من الأحيان، حينما يدارون على شمعتهم لتبقى مُنارة، ولكنّ العتب ممن يكون له استقرار وظيفيّ، وصحة وعافية، وآمن في سربه واجدًا قوت عامه وشهره، وما يكفيه وذريته لسنوات عديدة، ثمّ هو يشكو الفقر.
وكثير من الناس يقضون أوقات دوامهم وساعات عملهم في الشكوى. والسؤال: مَن أحقّ بالشكوى؟. هل أنتم الذين تملأون الساعات في غير مستحقّها أم هذه الأجيال التي ستأتي من بعدكم وقد وضعتم الشوك في طريقها؟
كم نحن بحاجة لمن ينظر متأملا حوله، ويعلم أن الكلمة الطيبة تصنع جيلا، وأن الكلمة البؤس تحقق هزيمة، ونحتاج إلى من يفرّق بين النصيحة والفضيحة، وبين التوجيه والإرجاف، كما أننا نحتاج إلى من يثقبُ عينَ اليأس، فعين الفأل والأمل نرى فيها مستقبلا زاهرا، ونبني بها جيلا عاملا عامرا.
وأما إشاعة الخوف من المستقبل مع الإيمان بالله تعالى الذي هو: «خيرٌ حافظًا وهو أرحم الراحمين». فلا يتناسب ذلك مع المؤمنين والعابدين.
وهنا لا بدّ من التنبيه.. ففضلا عن أننا لا نتقن فنّ طلب الرزق، فقد أصبحنا لا نتقن فنّ رعاية الأقلّ ولا القليل، فرجل يستدين ليعلّم أبناءه الطبّ والهندسة والصيدلة، ثمّ هو لا يردّ الدّين لأنه لا يستطيع أن يحصر الدين ولا الدائنين، وأبناؤه لن يتعلموا من صنيعه البرّ والإحسان.
ويأتي مَن لا يقل دخله عن الألف دينار، يتأفف في اليوم ألف مرّة، ويقول: الوطن والوطن والوطن!!. وما في الوطنّ همٌّ إلا الذين يزرعون الهموم فيه.
وفي المقابل، نجد الذي ضاقت به الدنيا، أكثر الناس ابتسامة، وأقلهم شكوى، وأكثرهم انتماء، وأسرعهم إلى تفريج الكربات عن الناس، فيسخر شيئا من وقته، ومن ماله، ليكون عونا للآخرين.
agaweed1966@gmail.com