علاقة الانسان بالخبز أو (العيش) كما يسمّى في مصر لها أبعاد اقتصادية اجتماعية عاطفية مهمة بنيت على أسس تاريخية منذ أن عرف الإنسان كيف يزرع. والتسمية المصرية أقرب إلى أرض الواقع والمنطق، فبدونه (العيش) لا عيش ولا ما يحزنون. كما أن المصطلح الشعبي «عيش وملح» له دور طريف في صون علاقاتنا الاجتماعية!
في كثير من انحاء العالم لا تكتمل وجبة الطعام سواء في البيت أو المطعم دون الخبز. وإذا تم الاستغناء عنه في بلاد معينة كما في جنوب شرق آسيا أو أميركا أو افريقيا فانه يستبدل بالرز أو الذرة!
لكن هذه المادة الاستهلاكية الاستراتيجية بكافة أشكالها ومسمياتها وأسعارها تلقى في بلادنا معاملة متناقضة من قبلنا نحن المواطنين. فهي في بعض الأحيان تعامل باحترام شديد يصل درجة التقديس عندما ترى صبياً يافعاً يلتقط كسرة الخبز الملقاة في الطريق، يرفعها إلى فمه ويقبلها ليضعها في مكان أكثر ارتفاعاً، ثم يمضي في سبيله لمتابعة شقاوته وهواياته مع أقران له ينتظرونه في ساحة قريبة.
من جهة اخرى تلاحظ مئات من اكياس النايلون المحشوة باصناف الخبز معلقة على مقابض الحاويات المنتشرة في الطرقات. وقد تتساءل حول مصير هذه الأكياس، وعن سبب وجودها بهذه الكميات أصلاً؟
السؤال الآخر هنا: إذا كنا نحترم ونقدس الخبز لهذه الدرجة فكيف يكون مصيره على هذا النحو المؤسف؟
لن تجد شخصاً واحداً يعترف لك بأنه أحد الذين يعلقون هذه الأكياس على مقابض الحاويات، تماماً مثلما لن يقر أحد بأنه يرمي فضلاته عامداً متعمداً من نافذة سيارته على الطريق، أو أنه يترك أكياس القمامة الخاصة به في مواقع بعيدة عن الحاويات!
لو قمنا بعملية حسابية سريعة لحصر هذه الممارسة في ارقام تقريبية لتبيّن لنا انها بعشرات الاطنان من الخبز. ولتكشف لنا كم هو كبير عدد المواطنين الذين يرتكبون مثل هذه الأفعال اللا مسؤولة. ولو قمنا بترجمة هذه المعطيات الى لغة اقتصادية بحتة، لرأينا كم هو كبير ومعقد حجم المشكلة اقتصاديا وأخلاقيا. ثم يخرج البعض ليحتج على ارتفاع سعر السجائر المستوردة أو الهواتف المحمولة، وكـأن احتجاجه يحمل تلميحا للجهات المعنية بأن تعمل على دعم تكلفة السجائر والهواتف، كما تفعل بالنسبة للخبز!
في هذا الاطار أجدني اتساءل عن هذه المعادلة الاجتماعية الاقتصادية المتناقضة، والتي على الارجح ألعب فيها شخصيا دور المستهلك المنتمي لفئة المستهلكين الواعية: فمن جهة أنا ابتاع كيلو الخبز (لأعيش) بسعر أرخص من زجاجة الماء الصغيرة، ثم أجدني أهرول لأشحن هاتفي بانتظام بتكلفة تتجاوز فاتورة ما استهلكه من خبز لعدة أسابيع، ومع ذلك لا أجد غضاضة في التعبير عن التذمر والشكوى!
فنحن نحصل على الخبز المدعوم (لنعيش)، لكننا لكي نشعر بالرضى والسعادة في عيشنا نحب أن نثرثر بلا توقف حتى أثناء قيادة السيارة، مع علمنا بأن وسائل ثرثرتنا موشحة بالضرائب!
أراهن لو أننا حاولنا تقييم تكلفة فوائض ثرثرتنا اليومية على الهاتف مع فوائض موائدنا، في البيت أو المطعم، لتبيّن لي ولكم أن تكلفة الأولى تتجاوز تكلفة الثانية بأضعاف أضعاف المرات!
الخلاصة هي أن أفواهنا التي نحشوها بالخبز المدعوم (لنعيش) هي ذات الأفواه التي تصدر الثرثرة بلا توقف، والتي بدونها (أي الثرثرة) لن يكتمل شعورنا بالسعادة والرضى عن أنفسنا..!