كتاب

الحرب الروسية - الأوكرانية والدول العربية المصدرة للطاقة

تعاني أسواق الطاقة العالمية أصعب تجربة مرت بها منذ عقود بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية التي بدأت في الرابع والعشرين من فبراير الماضي، والمستمرة وقت كتابة تلك السطور. فروسيا تعد ثالث أكبر منتج للنفط بعد الولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية، وثاني أكبر مصدر للنفط الخام في العالم بعد الرياض. كما تعد ثاني أكبر منتج للغاز الطبیعي بعد واشنطن. حيث يمثل إنتاج روسيا من النفط الخام، وفقاً لعام 2021، نحو 5 ملايين برميل يومياً وهو ما يعادل 12% من التجارة العالمية، ونحو 761 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي، ما يعادل 18% من إنتاج الغاز العالمي، ووصلت صادرات روسيا منه إلى نحو 250 مليار متر مكعب عام 2021.

وبعد اتخاذ قرارات المقاطعة الأوروبية للغاز والنفط الروسيين بحلول نهاية العام الجاري (تعتمد أوروبا على واردات الغاز الروسي بنسبة 40% وعلى واردات النفط الروسي بنسبة 27% من إجمالي احتياجاتها)، ومن ثم رد الفعل الروسي بقطع الإمدادات الطاقوية إلى أوروبا، بالمبادرة بقطع الإمدادات الغازية، ما هو حاصل مع خط أنبوب نوردستریم 1 الذي يزود ألمانيا ودول أخرى في الشمال الأوروبي بالغاز، والمتوقف منذ أغسطس/آب الماضي للصيانة، ومن المتوقع أن تستغرق هذه الإصلاحات أشهر بدل أيام وأسابيع، بعد استهدافه وأنبوب نورد ستريم 2 في 27/سبتمبر/أيلول الماضي بثلاثة تفجيرات، مما يتيح المجال لروسيا لتواصل الضغط على ألمانيا في ذروة الشتاء، ودفعها للتخلي عن دعمها لأوكرانيا بالسلاح والتراجع عن عقوباتها ضد موسكو؛ بدأت الدول الأوروبية الاتصال مع دول مصدرة للغاز على غرار قطر والولايات المتحدة والجزائر ونيجيريا ومصر وإسرائيل، مما يبرز أهمية الغاز في منطقة شرق المتوسط بالنسبة للقوى الغربية؛ إلا أن الطاقات الإنتاجية الإضافية لهذه الـدول مجتمعة من الصعب أن تعوض الإمدادات الغازية الروسية الإضافية.

أن هذا الانفصال أو الطلاق الطاقوي الأوروبي عن روسيا سيكون له تداعيات عميقة، وقد يعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية؛ مما يعني وضع العديد من الدول العربية المصدرة للطاقة في موقف سياسي ملتبس، لكنه في المقابل عزز مركزيتها في اقتصاد الطاقة العالمي، وربما يؤدي في النهاية إلى جني مكاسب سياسية واقتصادية.

ففي المدى القريب، تتركز الطاقة الإنتاجية الفائضة في دول منظمة أوبك، خصوصاً السعودية والإمارات، و لا توجد مؤشرات حتى الآن تدلل على أن دول أوبك بقيادة السعودية على استعداد لاتخاذ إجراء لزيادة الإنتاج، خاصة بعد قرارات أوبك بلس الأخيرة بشأن خفض إنتاجها من النفط بنحو 2 مليون برميل بدءاً من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل مقارنة بما كان مطلوباً للإنتاج في أغسطس/آب من العام الحالي. أحد الأسباب ببساطة هو أن بعد المعاناة من آثار انخفاض أسعار النفط خلال معظم العقد الماضي ومن التداعيات المالية التي خلفتها جائحة كورونا، تتطلع دول أوبك لجني فوائد ارتفاع أسعار النفط. ولعل الأهم أن دول أوبك تريد الحفاظ على علاقات جيدة مع روسيا، فهي تدرك أن الأسواق العالمية متأثرة حالياً بالتفاعلات السياسية أكثر من العوامل الأساسية مثل العرض والطلب، علاوة على أن دول الخليج، خصوصا السعودية، لا تملك الرغبة في تقويض التماسك الداخلي لأوبك بلس.

ومع ذلك قد تكون الصورة مختلفة بعض الشيء في المديين المتوسط والطويل، فاتخاذ قرارات المقاطعة للغاز والنفط الروسيين من جانب الدول الأوروبية قـد يـوفـر لـدول الخليج خيار زيادة وجودها في أسواق النفط الأوروبية تدريجياً، وبطريقة تتجنب التوترات مع موسكو، خاصة أن العقوبات الحالية قد تُضعف بشكل كبير القدرات الروسية في الحفاظ على مستويات الإنتاج الحالية، مما يعزز من فرص الدول الخليجية مثل السعودية والإمارات والكويت للاستفادة من هذه التحولات أكثر من غيرها حيث تنمو الاستثمارات الكبيرة في قطاع الطاقة لتحقيق نمو صحي خلال السنوات الخمس المقبلة؛ في الوقت الذي يناور فيه كبار المنتجين لتوسيع طاقتهم الإنتاجية وسط بيئة أسعار نفط صحية وتعافي الطلب العالمي في أعقاب جائحة كورونا.

وعلى جبهة الغاز الطبيعي، يبحث الأوروبيون عن مصادر جديدة للإمدادات حيث يسعى الاتحاد الأوروبي إلى زيادة الواردات من الجزائر، مع احتمال أن تصبح قطر مصدرا رئيسيا للغاز الطبيعي المُسال.. طبعاً الدخول القوي للاتحاد الأوروبي إلى أسواق الغاز الطبيعي عبر الأنابيب أو المُسال، ربما یدفع إلى ارتفاع الأسعار أو بقائها ضمن مستويات مرتفعة لفترة أطول. لكن مثل هدا الدخول قد يكون محل ترحيب من الدول العربية المصدرة للغاز، مثل قطر والجزائر ومصر وربما لاحقاً لیبیا، لأنه قد يُبقي الأسعار في مستويات جيدة لتلك الدول، علاوة علی احتمال زيادة حصتها السوقية في الأسواق الأوروبية.