أجمع خبراء وناشطون شباب بأن المشاركة السياسية هي جزئية وشكلية ان وجدت، وتحتاج الى تغيير جذري، يبدأ في تغيير مفهوم المشاركة السياسية وترجمتها على ارض الواقع وازالة المخاوف المتعمقة لدى الشباب حيال هذه المشاركة.
ولفتوا الى ان احجام الشباب عن المشاركة السياسية يعود الى عدة اسباب مجتمعة فضلا عن التخوف من هذه المشاركة فهناك اسباب سياسية متعلقة بالأحزاب السياسية وتكمن في قلة برامج العمل الواقعية للأحزاب الجاذبة للشباب وغياب الديمقراطية الداخلية لدى معظم الأحزاب السياسية الأمر الذي يخلق لدى الشباب نفورا من العمل الحزبي، كما ان اغلب الاحزاب لا تلبي طموحات الشباب واهدافهم. بالاضافة الى الاسباب الاقتصادية، فالشباب يرجحون كفة أولوياتهم الاقتصادية وبحثهم عن فرص عمل ومواجهة البطالة على كفة مشاركتهم السياسية.
وحاورت الرأي خبراء وناشطين واتفقوا على ان المشاركة السياسية الجادة تبدأ بتنمية مجتمعية واجتماعية ثم ثقافية تليها تنمية اقتصادية وصولا للسياسية، بالاضافة الى اشراك الأسرة ومؤسسات المجتمع كافة، لتوفر بيئة جاذبة للمشاركة السياسية بكافة اشكالها.
وقال استاذ العلوم السياسية د. عادل فالح الحناحنة ان الحديث عن المشاركة السياسية ينشط بين الحين والاخر وخصوصا في مجتمعاتنا العربية، ولكن قبل الخوض في هذا المفهوم وجب هنا ان نوضحه كمصطلح، فمفهوم المشاركة السياسية يعني ذلك النشاط السياسي الذي يمكن المواطنين من المساهمة وابراز دورهم في إطار النظام السياسي. كما عرفت المشاركة السياسية بأنها ذلك النشاط الذي يقوم به المواطنون العاديون بقصد التأثير في عملية صنع القرار الحكومي.
ويضيف: هناك اشكال للمشاركة السياسية كالتصويت والترشح بالانتخابات وتولي الوظائف العامة والانتساب الى مؤسسات المجتمع المدني، بالاضافة الى المشاركة بعملية صنع القرار وغيرها من المشاركات. ومن خلال تلك التعريفات السابقة نجد ان المشاركة السياسية نشاط وليست مجرد اتجاه او اعتقاد بمعنى انه لا يكفي ان يشعر المرء بضرورة الادلاء بصوته دون ممارسة التصويت بشكل فعلي بل يجب ان يتوفر الشعور بضرورة المشاركة والمشاركة الفعلية.
ويرجع الحناحنة تدني نسب المشاركة السياسية وعزوف الشباب بشكل كبير عنها لعدة اسباب سواء سياسية او اقتصادية او اجتماعية او ثقافية.
وبرأيه، تتوفر لدى الشباب القناعة التامة بأن العمل السياسي بشكل عام ينتابه بعض التساؤلات من حيث الالية التي من خلالها يتم التنسيب بالتعيين ببعض المناصب، كما ان هنالك عدداً كبيراً من الاشخاص من غير ذوي الاختصاص بالعمل السياسي وتقلدوا مناصب سياسية بحتة.
ضعف الثقة
ويعتقد ان ضعف الثقة بين المجالس النيابية المتعاقبة وضعف الاداء الرقابي والتشريعي يعد سبباً لانخفاض المشاركة السياسية، بالاضافة الى ان الثقافة العامة الموجودة في مجتمعنا بأن النائب يجب ان يعود على دائرته الانتخابية وناخبيه بالوظائف والخدمات المختلفة والمنافع الشخصية لذوي القربى واهمال الادوار الرئيسية التي كان يجب ان يؤديها من رقابة وتشريع، حتى بالحديث عن الانتخابات البلدية او المركزية يلاحظ الضعف في الاداء احيانا والتمييز بين المناطق في تقديم الخدمات.
ويشير ان مشوار الاحزاب السياسية في هذا الجانب ما زال طويلا لعدة اسباب منها الثقافة العامة اتجاه الاحزاب والصورة المكونة لدى المجتمع عن عمل الاحزاب السياسية، كما ان السبب الاخر يعود الى فقدان الاحزاب نفسها للبرامج وحصر الاحزاب ببعض الشخوص لتحقيق بعض المنافع الشخصية. «وجب علينا ان لا نهمل المعايير الموجودة لدى المجتمع التي يتم من خلالها المشاركة السياسية فمثلا في الانتخابات النيابية و البلدية او مجالس المحافظات نجد ان المرشحين انفسهم يفتقدون لاعلان عن برامج خلال حملاتهم الانتخابية التي من المفترض ان يتم تحقيقها في حال كان الفوز حليفهم في تلك الانتخابات وتقتصر تلك الحملات على شعارات لا تسمن ولا تغني من جوع كما ان المعايير التي يتم من خلالها المشاركة تنحصر في خيارين لا ثالث لهما اما صلة قرابة وصداقة او مصلحة ومنفعة والنتيجة الحتمية تكون لهذا الامر وصول اشخاص غير مؤهلين للعمل السياسي – الا من رحم ربي–هذا في جانب التصويت، اما الترشيح فإن المعيار الاقتصادي يلعب دورا كبيرا، حيث ان عملية الترشيح تستلزم افتتاح المقرات الانتخابية واقامة الحفلات والسهرات وما تبعها من ولائم واطباق الحلوى والى غير ذلك من تجهيزات، والتي لا يتمكن قسم كبير من شبابنا تحقيقه».
ويلفت الحناحنة ان الجانب الاقتصادي يلعب دوراً في عزوف الشباب عن المشاركة السياسية، «فمشكلة البطالة تعد من اكبر المشاكل الاقتصادية التي يعاني منها مجتمعنا، فهذه المشكلة التي تقف حاجزا بين الشباب وتحقيق طموحاتهم وانجاز اهدافهم لها دور كبير في عزوف الشباب عن المشاركة السياسية هي تفقدهم الخبرة ولا تمنحهم الفرصة للخوض في العمل العام، بالاضافة الى انشغال تفكيرهم بتحسين اوضاعهم الاقتصادية وتحقيق متطلباتهم الاساسية فالمشاركة بنظرة الشباب هو مطلب ثانوي يسعون لتحقيقه بعد تحسين الوضع الاقتصادي».
وشدد على اهمية ايجاد حلول لمشكلة العزوف عن المشاركة السياسية، والوقوف على اسبابها من خلال عقد الدورات والورشات والوصول للشباب بمختلف المؤسسات سواء كانوا على مقاعد الدراسة الجامعية او اماكن العمل المختلفة في القطاعين العام والخاص، وفي هذا الجانب يعتقد ان هناك مؤسسات تسير على هذا الدرب، فمثلًا اطلقت الهيئة المستقلة للانتخاب نشاط الاسبوع السياسي في الجامعات بقصد تعزيز مفاهيم المشاركة السياسية، بالاضافة الى مؤسسات متميزة تهتم بقطاع الشباب مثل صندوق الملك عبدالله الثاني للتنمية والذي اطلق على- سبيل المثال لا الحصر- مشروع معسكرات الطلبة للمشاركة السياسية الذي يستهدف طلاب وطالبات الجامعات الموجودة في العاصمة عمان.
ويتابع: للحد ايضا من هذا العزوف لا بد من تطوير دائم على قوانين الاحزاب والانتخاب لتواكب التطورات الكبيرة والسريعة وتمنح الفرصة للجميع بالتساوي. كما اننا بحاجة لتغيير ثقافتنا بحسن الاختيار والتصويت للمرشحين، وان نمتلك الجرأة والشجاعة لاختيار من يمثلنا ولا من يمثل علينا وتكون المعايير في ذلك امتلاك الرؤية و الكفاءة والعلم وقادر على القيام بواجباته المحددة ضمن الدستور من خلال برامج انتخابية حقيقية واقعية قابلة للتطبيق على الواقع حسب الامكانيات المتوفرة والمعروفة لدى الجميع مسبقا لتحقيق الصالح العام وليس بحثا عن منافع شخصية.
توفر بيئة حاضنة
وقال عضو اللجنة الملكية لتحديث المنظومة السياسية عبيدة فرج الله احد اهم اسباب عزوف الشباب عن المشاركة السياسية هو ان الحياة السياسية في الاردن لم تكن ناضجة ولم تحظ بعناصر النجاح واهمها توفر بيئة حاضنة للحياة السياسية والحزبية بشكل رئيسي.
وبرأيه فان الشاب يهتم بالدرجة الاولى ببعده وتمكنه الاقتصادي وقدرته الاقتصادية كي يمتلك الرفاه من الوقت للعمل في الاطار السياسي، «فالعمل السياسي يحتاج الى نخبة من الشباب المستقر اقتصاديا وهذا ما قل توافره في المشهد السياسي لدينا».
ويؤكد فرج الله ان المسؤول عن ضعف المشاركة السياسية لدى الشباب هي مؤسسات الدولة، «عليها تنفيذ توجيهات جلالة الملك نحو دعم وتعزيز المشاركة الشبابية، وان تأخذ بيد الشباب بإتجاه المشاركة السياسية الحقيقية، وهذا يحتاج الى وقت ويحتاج الى مؤشرا تحقيقة جادة تثبت للشباب ان مؤسسات الدولة تقوم بترجمة التوجهات الملكية نحو التحديث السياسي المأمول».
وقالت الناشطة الشبابية رحمة داودية: في حقيقة الأمر لا ينظر الشباب إلى السياسة باعتبارها أولوية في حياتهم ولذلك هم في عزوف دائم وشبه ملحوظ عن هذا الميدان، فالثقافة المجتمعية السائدة بأن السياسة ميدان يشوبه الخطر في كثير من الأحيان وبأنه ميدان الكبار إن جاز التعبير.
وتشير انه على الرغم من أن التشريعات الجديدة تقف جنبا إلى جنب مع الشباب حسب صفهم وتحثهم في أغلب بنودها على المشاركة السياسية الفعالة إلا أن تلك الثقافة المجتمعية الخائفة من موضوع السياسة لازالت هي المسيطرة على عقول الشباب.
وتلفت ان هم الشاب الأول والأخير هو توفير وظيفة وراتب يساعده على تحمل أعباء الحياة وبالتالي هو لا يرى في السياسة جانباً من جوانب أولوياته فيترك الميدان لغيره.
ودعت الشابة عبير عبد القادر إلى ضرورة تبني أفكار الشباب، وتحفيز مشاركتهم السياسية، وتوفير بيئة جاذبة وآمنة لهم لتشجيعهم على العمل السياسي بكافة اشكاله.
وترى ان عزوف الشباب عن العمل السياسي يعود الى عدة اسباب وبرأيها فان التخوف من المشاركة السياسية يتصدر هذه الاسباب. «رغم كل التصريحات والدعوات مؤخرا لاشراك الشباب في العمل السياسي والحزبي، الا ان عقول الشباب تأخذهم الى ان ممارسي هذا العمل قد يتعرضون الى المساءلة الامنية او قد تؤثر هذه المشاركة على فرص عملهم اي انها ما زالت مشاركة مقيدة».
وتلفت عبد القادر الى اهمية ترجمة ما يدعو اليه جلالة الملك دائما على دور الشباب في التحديث السياسي وعلى اشراكهم في العملية السياسية والحزبية على ارض الواقع.
ويقول الناشط الشبابي احمد الجرادين: يعتقد بعض الشباب ان المشاركات السياسية قد يكون لها عواقب على مستقبلهم حيث يشعرون بتهديدات مختلفة فيتجنبون المشاركة لكي لا تواجهم تلك العقبات التي يعتقدونها.
ويتابع: يتخوف الشباب من العواقب التي يعتقدونها عند ابداء رأيهم السياسي حيث يتوقعون ان ابداء الراي السياسي سيكون له سبب كعدم تأمينهم مستقبلاً بفرص عمل ومواجهة عواقب قد تكون لاسباب سياسية بسبب ابداء ارائهم سابقاً.
وبرأيه، فان الوقت قد حان لمواجهة التخوف من المشاركة السياسة ايمانا بالدعم الدائم من جلالة الملك الذي يدعو الى ضرورة «تبني» أفكار الشباب، وتحفيز مشاركتهم في الحياة السياسية، وادراكهم ان صوتهم مسموع وله تأثير.