محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

((تلك الأزمنة)) لمحمود شقير.. سيرة »القلب الكبير« كثير التحمُّل

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
رشيد عبد الرحمن النجاب (كاتب أردني)

كان المكان حاضرا في الكتاب السيري «تلك الأزمنة» لمحمود شقير، تماما كما حضر الزمان في كتابه السابق «تلك الأمكنة»، وهي ثنائية جدلية يصعب الفصل بين جزأيها، لكن شقير أبدع في التجوال بين دقائق هذه العلاقة مشاركا القارئ معالم سيرة ذاتية تفاعلت مع هذه الأبعاد على نحو مدهش وفريد.

سنتان وخمسة أشهر هو مدى هذا الكتاب في خط سيره الزمني الرئيس، إلا أن شقير تحرك في هذا المدى الزماني بأبعاد متعددة، يغذ الخطى أحيانا، يتوقف متذكرا، متأملا أحيانا أخرى، ومتوجسا قلقا في بعض الأحيان، ويرجع مع القارئ إلى الوراء متحدثا عن رفيق في العمل السياسي، أو صديق، أو قريب، أو أحد زملاء المهنة، ثم يعود إلى الحاضر ولا يستغني عن الحديث بصيغة المستقبل في مرات عديدة.

حدد شقير بلوغه سن الثمانين هدفا تحرَّك نحوه على مدى 280 صفحة دون أن ينسى المرور بمطلع معلقة أبي سلمى: (سئمت تكاليف الحياة ومن يعش/ ثمانين حولا لا أباً لك يسأم). لكنه لا يلبث أن يعبّر عن اعتقاده بأن الثمانين عاما «ليس بالشيء الكثير الذي يستحق السأم». وتُعزز مضامين الكتاب هذا الاعتقاد الذي عبّر عنه. ثم يتساءل في مكان آخر عن التباسات الزمان، ويرجح آخر تساؤلاته متضمنا خيارا يقول: «هي الحياة رحلة حافلة بالتفاصيل وسفر مفتوح على عديد الاحتمالات».

ويمضي شقير نحو الثمانين مكثرا من الإشارة إلى هذه الحقيقة بترقب يشوبه شيء من القلق من نحو: «أغذ الخطى نحو الثمانين»، و«بعد سنتين وشهرين أبلغ الثمانين»، و«أنا الآن على بعد عشرة أيام، ثم خمسة أيام من الثمانين»، ثم يومين، وهكذا...

ولا يفوته أن يفسر للقارئ قلقه؛ فيقول في موقع لاحق من الكتاب: «وأنا على أبواب الثمانين لا يستغربنّ أحد كيف يلفت الموت انتباهي فلا أتغاضى عنه ولا أنساه»، ثم يدرج أسبابه ومبرراته لذلك. لكنه يردف قائلا: «ولا يستغربنّ أحد حين لا أكتفي بذكر الأموات وبالتوقف عند سيرهم، بل أحتفي بالطفولة التي هي الرد الطبيعي النابض بالحياة على آفة الفناء».

ولا يبدو شقير ملولا، ذلك ما ينعكس من قوله على عتبة الفصل الثاني: «يأخذني قلبي إليها. إلى الحياة بكل ما فيها من صخب»، يضاف إلى ذلك مجمل التفاصيل في متن هذا الكتاب التي تشير إلى شخص مقبل على الحياة، متفاعل معها بالرغم من منغصاتها ونكدها، يعيش واقعها بكل ما في هذا الوا قع من قلق وألم وخوف ولا يفوّت الفرصة لبسمة يَفرَح بها أو يُفَرِّح من حوله، ابنته أمينة وحفيده مهدي في المقدمة.

من البرّية يبدأ المسيرة وحديث بسيط مباشر يعبّر عن فخر بأبوين عملا في الرعي والزراعة، يفخر بمظهريهما وشخصيتيهما، بوسامة والده وقدرته على القراءة ومتابعة الصحيفة التي يحضرها من القدس، وبأمه ووشمها وزيها وليالي السمر، ووصفه لها بأنها حكاءة بارعة، ويتحدث عن تأثير هذه القصص التي كانت ترويها في أعماله الأدبية وكيف أصبح بعضها جزءا من نتاجه الأدبي الموجه للأطفال («بقرة اليتامى» مثالا)، ثم يصف مغامرات الطفولة، والقرية والبرية التي طالما شدته إليها متأثرا بسحرها وبفضاء الحرية التي توفره، ويتحدث عن علاقاته بأخواته وإ?وانه وبالأقارب، وعن أحاديث مبكرة كان يسمعها من الكبار عن كارثة عام 1948.

وقبل أن نغادر هذه الحقبة الزمنية، لا بد من إلقاء الضوء على علاقة شقير المميزة بوالده، وصحبته له في القرية، وفي البرية والمدينة، والتي شكلت مصدرا مبكرا للمعرفة، إذ كان يصحبه إلى القرى المختلفة، لتسجل ذاكرة الفتى وخياله ملاحظات عن الطبيعة والناس، رجالا ونساء، وعن تفاصيل حياتهم اليومية، إلا أن زيارته للقدس بصحبة والده كان لها مركز الاهتمام، فهي التي لعبت الدور الأكبر في نسج خيوط الارتباط الأولى مع هذه المدينة. يقول: «لو أن أبي لم يصطحبني معه إلى القدس وأنا في الخامسة من العمر، لما مست قلبي تلك الدهشة التي لم ?فارقني حتى هذه اللحظة».

القدس ملتقى الزمان والمكان في وعي محمود شقير، خوفه عليها يتعاظم وهو يراها «تعيش في قلب الخطر وتتعرض للتهويد المستمر ولأبشع عملية تزوير لتاريخها وتراثها. كانت القدس محور البداية في مسيرته الأدبية، ويرى نفسه ملزما بمواصلة الكتابة عن أهلها المسلمين منهم والمسيحيين. ولم يكن يوما بعيدا عن هذا النهج؛ تشهد على ذلك عناوين عديدة من إصداراته للكبار كما للأطفال واليافعين؛ «القدس وحدها هناك»، «ظل آخر للمدينة»، قالت لنا القدس»، «مدينة الخسارات والرغبة»، ناهيك عن كون ثلاثية العائلة (فرس العائلة، مديح لنساء العائلة، وظلا? العائلة)، تشير إلى القدس على نحو متزايد، حتى باتت القدس المسرح الرئيس لرواية «ظلال العائلة».. كأنها عدسة مصور سينمائي يقترب من المشهد تدريجيا حتى يصبح في قلب الحدث.

في القدس أيضا يفرح شقير بالأبناء والأحفاد، يدرج أسماءهم، يوجّه لهم الإهداءفي مستهل الكتاب، لا سيما الجيل الجديد جدا منهم متمثلا في أبناء الحفيدات/ الأحفاد، يتحدث عنهم بمشاعر إنسانية رقيقة، وإن أشار إلى عدم وجود الكثير من الوقت الذي يستطيع أن يخصصه لهم لكثرة مشاغله، لكنه يتابع أمورهم عن كثب، يتحدث عن اهتماماتهم، وانتماءاتهم الفكرية والسياسية، وميولهم الأدبية، وعلاقتهم بالكتابة، وتجاربهم في هذا السياق. ويشير إلى بعض همومهم اليومية، وتبقى لمهدي علاقة خاصة، فالجد محمود يأنس بقربه، ويبدي قلقه الشديد بشأن سلامته?من أذى تسببه سيارة عابرة بسرعة، أو من حادث اختطاف أو من أي مكروه آخر. ويقول شقير عن شغفه بالحفيدات والأحفاد: «لنترك هذا الزمن الرمادي إلى زمن آخر أجد فيه المتعة والعزاء. هو زمن الحفيدات والأحفاد الذين أدخلوا البهجة إلى حياتي».

ويقول عن علاقته بالأحفاد: «حين يرحل الأصدقاء وتحاصرني الأحزان، أجد عزائي في حفيدي مهدي».

ويرى شقير أن زمن الكتابة هو أيضا زمن آخر يجد فيه المتعة والعزاء، وهي التي عايشته من الشباب إلى الشيخوخة وما تزال، ويعتبر نفسه «ميالا إلى هاجس التجديد»، مقدما ثلاثة أمثلة من أعماله هي (خبز الآخرين، طقوس للمرأة الشقية «قصص قصيرة جدا»، وصورة شاكيرا) يمكن للقارئ أن يلمح من خلالها تغير الأسلوب وتجدد الحالة الإبداعية. لكن كيف ينظر محمود شقير إلى علاقته بالكتابة، وأيّ قدر من الرضا تحققه الكتابة له؟ هوذا يقول: «هنا في الكتابة أنا سيد المشهد المتحكم في الحالات كلها، الساعي إلى تصحيح الأخطاء ولأم الجراح».

ثمة في الكتاب إشارات إلى العديد من الكتاب والشعراء والنقاد والرواة، مع ذكر بعض أشهر أعمالهم، ولا تخلو هذه الإشارات من قراءات سريعة لبعض أعمالهم. ويتوقف شقير بكثير من الامتنان والوفاء عند ذكرى الراحل نجيب محفوظ، موضحا أهمية الأعمال التي قدمها هذا المبدع وتطور أساليبه السردية وتنوعها، ويلقي في هذا السياق إضاءات على بعض أعمال محفوظ سيما «اللص والكلاب»، والثلاثية (قصر الشوق، بين القصرين، والسكرية)، و"أولاد حارتنا». وجاءت القراءات النقدية للأستاذ شقير سلسة واضحة للقارئ غير المتخصص.

في الكتاب أيضا إشارة إلى مراسلات مع الأسرى، وقد اختار شقير نماذج من هذه الرسائل تمثل تواصله مع أطياف التيارات السياسية المختلفة، يخاطب كلا منهم بمواضيع منوعة تتفق وطبيعة العلاقة معه، والبوصلة تتجه دوما نحو فلسطين، ولم ينسَ الإشادة بالإنتاج الأدبي لبعضهم من خلف أسوار السجون.

اشتمل الكتاب على إضاءات يغمرها الوفاء لذكرى شخصيات خالده في تاريخ فلسطين والأردن والمنطقة في محاور شتى، وللعمل المشترك في مجال الحياة السياسية والكتابة الأدبية الفنون، وغيرها. ولا بد هنا من الإشادة بالأسلوب المتبع في ذكر كوكبة من الشخصيات التي التقى بها الكاتب في مواقع متعددة عبر أزمنة مختلفة، وجاء ذكرها بأسلوب سلس بحيث يدلف إليها من خلال الحديث عن مكان، أو مناسبة، أو شخص ذي علاقة مميزة، ثم تجده قد شرع في وصف هذه الشخصية، ومميزاتها وانعكاساتها وتأثر الناس بها، وطبيعة علاقته به والسنة التي رحل فيها، كل ذلك ?أسلوب يتميز بالحيوية ويخلو من النمطية والقوالب الجامدة.

ثمة في الكتاب زمن يمكن أن يسمى «زمن السفر» الذي قصد فيه شقير أماكن في شتى القارات باستثناء أميركا الجنوبية، وقد جاء ذلك في سياق لقاءات ومؤتمرات متعددة الأهداف بينها الأدبي والمهني إلى جانب السياسي، وغني عن الذكر كم كان لهذه اللقاءات من آثار إيجابية على مجمل التجربة من تبادل الخبرات، إلى اتساع قاعدة المعرفة، إلى إثراء الخيال، بصور وتفاصيل شتى.

عودة إلى القدس حيث أمينة (ابنة الكاتب) ترقد مريضة على مدى ربع قرن من الزمن، وقد أفرد لها واحدا من ملحقين جعلهما في نهاية الكتاب، إضافة إلى عديد من الفقرات عبر الكتاب التي كان موضوعها أمينة، وفي الملحق الخاص بأمينة غطى عامين من الزمن عندما اشتد المرض عليها وأقامت في المستشفى ثمانين يوما، ثم انتقلت إلى البيت في غرفة تشبه المستشفى، لكن ملاك الرحمة الرئيس هنا هي والدتها، فهي أول من يستجيب للجرس، وهي التي تقوم بالعناية اليومية، بل والليلية بكل تفاصيلها، تساعدها «باسمة» شقيقة أمينة عندما تزورهم. الكل يهتم بأمينة?ويُعنى بها؛ الأب، والأخ، وحتى الحفيد مهدي الذي يعمد إلى مداعبتها، وتسليتها وتعبّر عن تفاعلها معه بابتسامة. إلا أن الدور الأول في العناية يعود لوالدتها، ويسجل للكاتب هذا الإقرار والتقدير لدور الأم.

يتحدث شقير عن يوميات الألم، وعن السهر في غرفة أمينة لتسليتها، وعن ليالي الثلج والقلق من انقطاع التيار الكهربائي خشية توقف الأجهزة، وما يرتبه ذلك من خطورة على صحتها. في بعض هذه اليوميات يتحدث محمود شقير الأب الحاني، العطوف، المتألم، بإيجاز عن وضعها في ذلك اليوم، ثم يضيف «أتذكرها وهي طفلة....».

كم في هذا القلب الكبير من حب ومن صبر ومن قدرة على التحمل..
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress