كتاب

حكاية مدخن

للحكاية بداية والبداية كانت عام 1977، حيث بدأت الحكاية تحت بند - خلينا نجرب- بتذوق سيجارة فيلادلفيا وكان المضيف خالي - رحمة الله عليه - واستمرت الحكاية تحت مسمى «تعفيط » أي التدخين دون البلع، تلاها تخبط وتنوع في الخيارات بين سجائر «نسيم وجولد ستار وريم وأخرى».

لم أعد اذكر اسمها لانها اختفت من الاسواق، وتستمر الحكاية لتشعل لهيب مراهق لم يتم السابعة عشرة من عمره معتقداً أن السيجارة من مظاهر الرجولة المبكرة، كانت السجائر تباع «فرط» وكان سعر «اتخن» باكيت دخان مارلبورو (18) قرشاً، كانت السجائر تقدم للضيوف في صينية، وكانت في متناول اليد لمن يرغب، وتستمر الحكاية بعد دخولي الجامعة في بلاد الفرنجة لتأخذ منحى اخر اكثر تعقيدا، اذ اصبحت السيجارة تعبر عن الاستقلالية وتعمق مرحلة الرجولة، لتستمر أربعة عقود ونصف بلا توقف او انقطاع.

كانت السيجارة أول ما كنت أستهل به يومي وأخر ما أختم به ليلي، ليكون الانذار الاول في عام 2009 عندما تمكنت مني النوبة القلبية الاولى والتي انتهت بتركيب شبكات قلبية بعد الانسداد الذي أصاب شرايين قلبي الحزين، تلتها محاولة اقلاع عن التدخين لم تستمر اكثر من اسبوعين باءت بالفشل الذريع بالرغم من الرقابة الصارمة والشديدة التي حاول جميع افراد الاسرة فرضها لتطبيق مبادرة «الاقلاع عن التدخين»، الحقيقة، أنني لم أعتقد أبداً أن بوسعي الإقلاع عن التدخين، على الرغم من أنني فكرت في زيارة عيادة الاقلاع عن التدخين، كنت أبحث عن حجة تبرر عدم الذهاب إلى العيادة مثل الجلسات لم تعقد في أوقات مناسبة لي، ولكني أدركت، بعد فوات الأوان أنني أقوم فقط باختلاق الأعذار.

كانت الأزمة القلبية دعوة للاستيقاظ، ولكن ليس من النوع الذي كنت سأختاره، كانت لدي قناعة أنه ليس هناك منتج استهلاكي يقتل الكثير من البشر مثل التبغ، حيث كنت أعلم جيدا ان التدخين يُعد سبباً رئيساً لأمراض القلب والرئة والعديد من أنواع السرطان؛ إذ يرجع السبب في 85% من جميع حالات الإصابة بسرطان الرئة الجديدة إلى إدمان التبغ، كنت اعلم جيدا مدى خطورة تدخين التبغ بالاستناد إلى بيانات منظمة الصحة العالمية التي تبين أن تدخين التبغ تسبب في وفاة نحو 100 مليون شخص حول العالم خلال القرن الـ 20.

كنت كغيري ممن تورط في التدخين يظن أنه يجد في هذه السموم ملاذاً من همومه الكثيرة، يهرب إليها في الشدائد والملمات، وهو لا يدري أن من يهرب إلى سم التبغ هو كمن يستجير من الرمضاء بالنار، لأنه بذلك يستنزف قواه ويقضي على عافيته. حاولت الإقلاع أكثر من مرة مستخدماً كل الوسائل بما فيها السيجارة الإلكترونية وعلكة النيكوتين ووضع اللزقات الطبية، حتى إنني لجأت إلى عيادات مكافحة التدخين ولكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل، إلى أن حصلت النوبة القلبية الثانية مطلع هذا العام والتي افضت عن انسداد كامل لاحد شرايين القلب الرئيسية وانسداد جزئي لشريان اخر استدعى الامر اجراء جراحة قلب مفتوح وزرع شريانيين جديدين ليصبح التدخين بعد ذلك قصة من قصص الماضي وان جاء الامر متأخرا.

اليوم وأنا أستمتع بمرور ثمانية شهور بلا تدخين، أدركت أن التدخين عملية غير منطقية على الإطلاق؛ حيث كنت كطبيب مدخن اعلم الآثار الصحية السلبية طويلة المدى للتدخين وإن إحدى الطرق الفعالة للإقلاع عن التدخين في خطوة واحدة هي التركيز على عدم عقلانية تدخين السجائر، عندما ترغب في تدخين السجائر، حاول صرف ذهنك عن هذا الأمر من خلال المشي وممارسة اي شكل من اشكال الرياضة، ادركت أن الاقلاع عن التدخين يحتاج غالباً إلى أكثر من مجرد إرادة قوية، إذ ينبغي على المدخن أن يفصح في البداية لأصدقائه وأفراد أسرته عن عزمه على الإقلاع عن التدخين، كي يتلقى المساندة اللازمة التي تعينه على تحقيق هدفه.

اخي المدخن، ليس هناك من منتج استهلاكي يقتل الكثير من البشر مثل التبغ، فاعلم ان التدخين يُعد سبباً رئيساً لأمراض القلب والرئة والعديد من أنواع السرطان؛ إذ يرجع السبب في 85% من جميع حالات الإصابة بسرطان الرئة الجديدة إلى إدمان التبغ، ويدلل على مدى خطورة تدخين التبغ بالاستناد إلى بيانات منظمة الصحة العالمية التي تبين أن تدخين التبغ تسبب في وفاة نحو 100مليون شخص حول العالم خلال القرن الـ 20.

خلاصة القول، أخي المدخن الأردني أنت لست وحدك، فالأردن من الدول الثلاث الأولى على مستوى العالم بالتدخين، ومعدل انتشار التدخين بين الذكور هو الأعلى على مستوى الشرق المتوسط، ومن أعلى المعدلات في العالم.

أخي المدخن، نصيحة من مجرب، بادر إلى ترك التدخين واستمتع بحياة بلا تدخين، ستجد الفرق بنفسك.