رحل عنا دون إنذار أو مقدمات، صاحب الابتسامة وملك الكلمة والنكتة، صاحب الموال الجبلي، ناظم القصيدة والأغنية، مالك الحضور المميز، الذي لا تغادر ابتسامته محياه، الرجل الوفي عيسى سعيد داود، وهو في قمة عطائه وشبابه، إثر حادث سير مؤسف، لا أعلم ظروفه حتى الساعة، فالخبر أدمع العين، وأنزف القلب، وجعل البحث عن الظروف والأسباب ملفا مؤجلا برسم التوضيح، تفتح أوراقه بعد مرور نفق الصدمة وارتداداتها. نحن ندرك ونؤمن أن الموت واقع حتمي مؤلم غير مرحب به أبداً تحت أي ظرف وفي أي وقت، يمثل المحطة الأخيرة لحياة كل منا على مسطح ا?بشرية، تختلف ظروفه وأوقاته ومسبباته، لكن العامل المشترك هو الحزن الذي يخيم على معشر الأهل والمحيطين والمحبين، والفراغ الذي يتركه الراحلون، مهما كانت الأحوال، وهو الامتحان الأقسى في الصبر والتحمل، بالرغم من فيض العبارات التلقائية المرافقة للحدث، والبدء بتدوين سرد للذكريات.
ظروف الموت مؤلمة، ولكن بعضها يجرح شريان الحياة النازف بالعواطف والحسرات، عندما يغادر شخص محبب دنيانا وقد ترك وراءه أطفالاً هم بأمس الحاجة لرعاية أبوية، يصعب تعويضها، وربما الحديث عن الصديق عيسى سعيد داود، يحمل إرثا يزيد من لوعة المصيبة حيث لم يبلغ الخمسين من العمر، لم يترك مساحة للزعل أو العتاب، حيث عرفناه بخفة دمه وسرعة بديهته بكلمات تطرب اللسان وتمنح دفء المكان نسمات من السعادة، لأنه العامل المشترك في جلسات المناسبات الذي له فيها نصيب من نسائم السعادة على الحضور، سريع البديهة على الميكروفون، يتمايل مع ال?نغام الطربية، المحاسب الفطين الحافظ لقانون ضريبة الدخل وتعديلاته، مُجرد من الحقد والضغينة، فليس هُناك أشد قسوةً وألماً على الشخص أكثرُ مِن أن يسمع نبأ وفاةِ صديقٍ كان الأقربُ للجميع بلمحة بصر.
بكرت بالرحيل ايها الصديق، كم اغضبي خبر رحيلك وآلمني ايها العاشق للحياة يامن كنت اهلاً لها، فانت جزء جميل من ذاكرة الأيام العائلية، حملت من صفات والدك رحمه الله الكثير، وتترجم من صفات والدتك المربية الفاضلة أطال الله بعمرها، لك في الوجدان صورة لن تطاول مجدها سطوة الغياب لأنك قطب الجدل الذي سيظل بيننا معيار للنخوة والصحوة والمواقف الجريئة الحرة، وستبقى صورتك البهية على أيقونة المجد، تحكي عنك وتعطي للأجيال دروسا عن صناعة الذات، وإنني أرى في مستقبل أبناءك السير على نفس النهج والطريق، حيث القدر برعاية ربانية. ك? تمر علينا لحظات حزينة حينما نفقد اعزاء علينا ونصمت كثيرا وتموت الكلمات حين لم يعد لها مكان في الرثاء لكن نتذكر ان الوفاء لمثل هؤلاء الاعزاء يحرك بنا المشاعر لنسجل ما غمرونا به من امل ووفاء وعطاء، واقع يجعلنا نعترف بالحقيقة الماثلة، بأنك رحلت بجسدك وستبقى بروحك، فالتعابير التي ترتسم على الوجوه في بيت العزاء، فيها الكثير من الحزن والألم، فلروحك السلام في الفردوس السماوي، ولنا العزاء؛ لقد أدمعت الجميع أبا آدم وللحديث بقية.