كتاب

وزارة الصحة.. صاحبة الاختصاص والمتابعة

هناك إصرار مؤسف، مبرمج أو عفوي، يمارسه البعض بطريقة بهلوانية إعلامية، اعتقادا بأسبقية تمنحه المصداقية، خصوصا عبر الفضاء المفتوح لوسائل التواصل الاجتماعي وبعض وسائل الإعلام ذات مرجعيات الحماية من المساءلة، وهو أمر بواقعه يسيئ لمنجزات الدولة الأردنية، بل يمثل حجر عثرة بمساحة الاستقرار الوطني التي تتبنى سياسة جذب الاستثمار، لتتخذ من الحالات الفردية، ميدان تنافس وسباقا يرهب ويحذر، فالجهود الاصلاحية التي تبذل، والقوانين التي تعمل على تذليل العقبات لتسهيل حياة المواطن المثقل بالهموم والبطالة ومحدودية الدخل بمرافق بنية تحتية متهالكة، تُقذف بسهام حارقة بقصد التعميم لخطأ يحدث هنا أو هناك، وليس حصريا على دولة دون أخرى، وكان آخر فصوله الخطأ الطبي الذي حدث بالأمس بأحد مستشفيات الوطن، بتصور إعلامي يوحي بحرب عائلية ومحاصرة لمستشفى حكومي من أهل المريض للبحث عن حقوقهم، مع استنفار أمني للمحافظة على سلامة الجميع من أشخاص وممتلكات.

وزارة الصحة وزارة سيادية، وهي الحلقة الأهم بدورها الوطني، تقدم خدماتها عبر جيش جرار من نبغاء الوطن، وحدوث خطأ طبي أمر وارد في القاموس الطبي، فالدراسات العلمية ذات الصلة، تشير لمساهمة الخطأ الطبي بهامش يصل لنسبة 3% من أسباب الوفيات، وأتمنى أن لا يفسر البعض حديثي بمرافعة دفاعية عن الأخطاء الطبية، فالدول الديمقراطية تتكون من سلطات مستقلة تنظم حياة الفرد والوطن، وهناك سلطة مختصة تختص بهذا الأمر وهي السلطة القضائية، التي تتولى مثل هذه المشاكل لتحديد مسؤولية المقصر، إضافة لمسؤولية السلطة التنفيذية ممثلة بوزارة الاختصاص التي تحقق وتعاقب المقصر على فرض ثبوته، بعيدا عن سيف التهديد بتشويه السمعة الطبية للمعشر الطبي الذي يحتل مكانة مرموقة استحقها بجدارة وجهود متراكمة لأداء أبنائه، ويجب علينا الاعتراف اليوم، بأن خطوات وزارة الصحة لمثل هذه الأمور، هي خطوات فورية وشفافة، بقرارات تبنى على الوقائع، الأمر الذي يفرض تحجيم هذه الثورة الإعلامية غير المنضبطة وتحلق بمنطاد العشوائية والعبثية، فالنيل من السمعة الطبية الأردنية، سيؤثر على واحد من مصادر الدخل المتوقعة للانفراد الاقتصادي في السنوات المقبلة، لأنه سيصنع موجات اهتزازية وارتدادات على مستقبل السياحة العلاجية، فتضخيم الأمور بغير منطق، يكون عاملا طاردا لدول الجوار التي تتفنن بتسهيل برامج السياحة العلاجية لاستقطاب العدد الأكبر من المرضى الباحثين عن التشخيص والعلاج، بأسعار ومهارات مناسبة.

تفشي بعض المظاهر الاجتماعية التي تعتمد على اقتناص السلبيات لفرض وجودها وتعميمها أو محاولة تأسيس قاعدة إعلامية بمصداقية نازفة وذات سبق أو ضجيج، أصبح أمراً مؤسفا لانعدام الضوابط الذاتية أو القانونية، يحتاج لمعالجة جذرية عندما يتعلق الأمر بسمعة وطن أو مؤسسة وطنية تمثل واجهة حضارية، حيث ترك الإعلام هموم الوطن ليتصدر ببرامجه معركة اجتماعية جانبية لا ندرك توقيتها، وربما هناك مواسم لمثل هذه الممارسات التي تجعل محتواها حديثا للصالونات السياسية بسبب احتوائها على فقرة اثارة مهمة تتمثل باغتيال الشخصية للبعض، فسياسة جلد الذات لتشويه صورة الخدمات الصحية المميزة تمثل كافة أركان الجريمة الوطنية حتى بوجود حادثة فردية على فرض ثبوتها، فهي لا تعكس الواقع لوطننا الذي يتصدر المنطقة والإقليم.

لا أدافع عن الطبيب أو الحادثة، بل سأكون سيفا قاتلا لمعاقبة المذنب إن ثبت الأمر، ولكن إصدار الأحكام جزافا بهذه الطريقة، قبل نتائج التحقيق وقبل الحكم القضائي، يعتبر شكلا من أشكال جلد الذات التي تسيئ للمعشر الطبي كاملاً، لأن ذلك وعلى فرض الثبوت، هو سلوك فردي يعكس خطأً، يمنع تعميمه أو محاولة تضخيم الأمر، وكأن مشاكل الصحة قد شُخصت بهذا الأمر، تمهيدا لمقصلة الحلول، وكنت أتمنى من الغيورين على مصلحة الوطن التأني بدلا من ركوب منطاد التشهير، لأننا نحاول تسويق الأردن كبلد جاذب للدراسة والسياحة العلاجية بمختلف مستوياتها، وحتى المدرسية منها، بسبب المستوى المتقدم والمنافس، الذي لا يجب أبدا أن ينفض غيمته سلوك فردي شاءت الظروف أن يكون قد أخطأ على فرض الثبوت، لظروف لا نعرف حيثياتها.

هناك التباس ينطلي على البعض بين تبني الحقيقة والدفاع عنها، وجلد الذات بصورتها الشخصية أو المعنوية، التي تثمر صعوبات وويلات مجتمعية، بظروفنا الحالية التي لا نحسد عليها، فالخط الفاصل بين مفهوم جلد الذات والرقابة الذاتية يحتاج لحكمة لتوضيح حدوده لخلط عفوي أو مبرمج، خلط جعل من المصطلحين بنفس المعنى والنتيجة، تمنح المستخدم من تسليط الإنسان على نفسه، سياط عذاب ذاتية تحت اسم التقويم، بينما يتخطى السلوك الذاتي سلم التقويم متجاوزه إلى الإيذاء الذي يتخذ أشكالاً مختلفة ما بين جسدي ونفسي وعائلي ومعنوي ومؤسسي ووطني، وهذا يستدعي الوعي والتمييز لمعرفة ما هو صحيح وما هو غير صحيح، فالنفسُ البشرية وإن كانت ملكاً لنا، فهي بحاجةٍ إلى حفظ وتنميةِ وتطوير، لتعطي وتزهر في احتواءٍ نفسيٍ رزينٍ ومتوازن، لن يكون هدفا أو سببا لاغتيال شخصية أو إساءة مبرمجة، بل نريد أسسا لحماية الحقوق في عصر الانفتاح والمساواة، بحزم اتجاه الذات لضبط السلوك وإعداداتها.

الدور الريادي الذي تمارسه وزارة الصحة يستحق التصفيق، والعبثية التي مارسها بعض المتطفلين على الدور الريادي للوزارة، يجب أن يكون موضوع محاسبة لأصحابه؛ ليكون عبرة ودرسا، فاستغلال حرية التعبير على وسائل التواصل الاجتماعي، وتصوير الحادثة إن ثبتت فقراتها بانها جريمة من الكبائر، لن يمنحنا مناعة أو رصيدا مستقبليا، ولن يشكل سبقا جاذبا للاستثمار، وربما العشرات من مثل هذه الحوادث تسجل يوميا أو شهريا أو سنويا بجميع المؤسسات والدول حتى المتقدمة منها، ولكن يجب حصر معالجتها ضمن القوانين الناظمة للمؤسسات المعنية، دون تدوينها على أنها سبق وسلوك وطني، لأن الوطن اليوم بحاجة ماسة لتوظيف الغيرة والانتماء والمحافظة على السمعة التي جعلته يتقدم ركب الحضارة لمستقبل يليق، وكفانا جلد بالذات والتطوير بأسس اغتيال الشخصيات، فهذا شكل من أشكال الإفلاس وللحديث بقية.