لقد تحدث مليكنا الهاشمي، عبدالله الثاني ابن الحسين، في عدد صحيفة $ الصادر في 25/7/2022، مستشرفاً المستقبل.
وباختصار محسوب، تحدث عن أمور مركزية منها: أولاً: «قداسة حرية الرأي» الواردة في الدستور، حيث وجه الأحزاب، القائم منها والقادم، وبسموٍ جلي، إعلاء المصلحة الوطنية على الطموحات الشخصية. وكمعاصر شارك في الاحزاب حيناً، أتفهم ذلك وأتفهم تاريخ كوابح العمل الحزبي عندنا، لارتباط غالبيتها بأحزاب خارجية المنْبَتْ، ولصراع أمنائها على المناصب، فرفضها أهلُنا لهذا السبب ولِكَوْنِ بعض منها يحمل أهدافاً باطنية إحلالية للنسيج المجتمعي والأسري والعشائري، قاعدة النظام القائم والمجمع عليه. لقد ذكّرني هذا التكتيك المبطن بما يدور اليوم حول قيمنا الروحية السماوية من محاول?ت حزبية أممية عابثة مستغلة قيام فرد او مجموعة شاذة مقنَّعة بثوب اسلامي، بعمليات غير انسانية من قتل ومخالفات وعبث، وتشوّيه الدين والدنيا. بعدها تأتي قوى الشر المعادية للاسلام بربط ذلك بالاسلام، وتخلص بنتيجة، ليس لمعاقبة المجرم بل بإدانة الاسلام وقيمنا وبنائها الروحي ! ولقد تم في فترة مضت تكليفي بمَهَمةٍ،من حزب واعدٍ مُتَمكِّن،أعضائه مهنيين ورجال سياسة،كنت الأمين العام المساعد فيه. وكانت المهمة، دمجه مع أخَرَى مماثلة له في التوجه. وتم الاندماج وتبدلت قياداته ومسمياته مرات، بفعل التزاحم الشخصي، واضمحلت الأطراف.
إن «المُكوِّن الاجتماعي الداخلي» لحزب الاردن الدائم، بنظري، هو أولاً -أهله الكرام، وقياداته ذوات الكفاية والاستقامة، فهم العشيرة الأكبر والحزب، المؤمنون به نظاماً، المدافعونَ عن حِمَاهُ، المضحّون بالنفس والنفيس فِدَاه. وما الاصلُ والفصلُ بنظري إلاّ الكفاية والأهلية، فهما «العشيرة المُتجدِّدَة». وهُمَا قلعة الأمن الداخلية. وتبقى الجمعيات الخيرية والعشيرة مؤسسات من مؤسساتنا الأهلية التعاونية، وشبكة الامان والحزام الاجتماعي الوطني، لها دورها،وذراعها هو الجيش الحارس الامين، وهي مؤسسات اجتماعية مكمِّلَةً،لخدمةَ?الأسرة الاردنية الواحدة. أما «المؤسسة البرلمانية»، فهي بنيان حاضن وآلة الحزب الوطني ومظلته. أمّا نجاح الحزب وصلابة بنيانه، فينبع من قناعة قواعده وجمهوره بقيمِه ونهجه أولا، لا بعِشْقِهم لفرد منهم. وما تَفتُّتِ الاقليم العربي الراهن، وتفرُّقَه وزعزعة وَحدَتِه، ومنذ عقدين، إلا شواهد على أن استهداف المُكَوِّن الاجتماعي والمؤسسي الداخلي، هو هدف الخصوم والبوابة والمِعْوَل الخارجي الهادم.. فمنه يتسرب الأذى والهوان وتدني الدولة والعمران.
ثانياً: لقد أعلى الملكُ مرتبة الدستور وجعله البوصلة للاحزاب وطلب التصحيح من خلال الابتعاد عن ڤيروس الطموحات الشخصية. فشجع الشباب الانضمام لها ورفض تعطيل او مضايقة منتسبيها. وبالتمعن، نجده قد أعلى منزلة شواخص دستورية: فأنت كفرد، الطبيعي أن تملك موقعك على جبهة العمل وفق معادلة الكفاية والاستقامة. وتلك شاخصة لإدارة الدولة حددها الدستور والملك، يُنتَقي المسؤول بموجبها وفق معادلة محترمة، لمجتمع ننشُدّه، أُلخِّصُها بالتالي: إن المجتمع الذي يطمح الاردن الوصول إليه هو مجتمع: «كم من المعرفة تعرف، لا مجتمع، «من تعرف?.
ثالثاً: لقد تطرق الملك الى الديمقراطية،وأرى من حديثه وقناعتي أنه عرّفها ببساطة وبيُسرٍ،في بداية حديثة وخاتمته: «القضاء العادل المستقل»، فيه تعلو «سيادة القانون» على الجميع. ذلك بنظري معنى جامع كافٍ،وهو قلب الديمقراطية وأجنحتها، وبه حاضنة المنعة وضمانة الاستمرارية للدولة والحكم. واقول هنا متأثراً بتربية وثقافة أهلي، ممن ساهموا و بنوا وخدموا جهاز القضاء، والتي اعتز بها وبه، ومتأثرًا كذلك بمؤونتي وتعليمي وخبرتي، أقول: ان في الاردن قصرا واحدا للعدل، هو القضاء المستقل.فلا قصور عدة للعدل! ولربما هناك عندنا «جيوب?من قصورٍ، في «تنفيذ كلمة العدل» في بعض المؤسسات،لكنها جيوب ضيقة، لا تغيب عن صاحب الشأن، هي ملموسة، وينشد معالجتها، ونحن معه. ذلك أن «ميزان العدل واستقلاله» وحس العدالة وسهمها، هي الأهم، والذي لا يسمح اختلالها، ليبقى الميزان بيدٍ أمينةٍ مستقلة، ومرجعيةٍ تحافظ عليه وتصونه.
رابعا': نعم شهدنا أعواماً حاشدة بالتحدي والأزمات،امتُحِنا فيها، وأكسبتنا دروساً وصلابةَ عودٍ ومنعة داخليةٍ وإقليمية. وكم من ناقد لتوجهه الاردن في التعاون الدولي، والاقليمي، وبنيَّة طيبة، غلبت عليه النظرة قصيرة المدى، لكن غابت عنه حكمة الرؤية الاستراتيجية،بضرورة تكامل «المنعة الداخلية» «والتعاون الاقليمي والعربي المشترك والدولي»، وعدم الانعزال. ففي التعاون الدولي المنظم، منعة ومصلحة وأمن وقائي،ومعرفة بمواقف الخصوم، تُمتَصُّ فيه الازمات والصدمات. لقد كانت دموعنا في فترات مضت، دمعة واحدة لكن الوقت تغير، وأصبح?من الاستحالة الوقوف في عالم اليوم دون الانحناء والمرونة والمؤسف انه مازال بيننا من يُطِلّ علينا من خلال عدسات ملونة، مرتبطة بمصلحة له، مصفِّقاً أو حاملاً مباخِرَ لآخرين، أو ناقدٌ في كتابات وبصوت عالٍ. له للاسف، آذان صاغية. بعضهم حلو اللسان إذا لَقُونا،وإذا خَلَوْ، عضُّو على أصابعهم من الغيظ. والحكمة تقول: ان اللِّسان الطويل، دلالة على اليد القصيرة، ناهيك عن ان الاقنِعة لا تدوم على الوجوه طويلا.
هناك كتابات مغرضة مسمومة عن نسيج ونهج بلدنا الغالي، يمْلي الواجب ألّا يتاح حيز ولا موقع قريب لاصحابها بيننا–لكنهم قِلَّة. وقد يبدو للبعض منّا، المجامل لهذه الفئة، وللوهلة الاولى، انه ضروري التعرّف على مواقف الخصوم. نعم، ولكن، هناك من بينهم من هو مُصِرٌ على مواقف مسبقة مشبعة بالكراهية ولا يرى اصحابها إلا الخطأ والعلل والزلل. ولربما يقومون بذلك لمزايانا وليس لعيوبنا. نعم عندنا علل اقتصادية وادارية واجتماعية عديدة، لا تخفى علينا، قادرون على تجاوزها ليس فقط، بالمرور عليها كِراما، بل بالتعرُّفِ على مبعث الزلل،و?رز المواقف، والاشخاص، واقتراح الحلول المخلصة، وربط المسؤولية بالمساءلة، وعُلُوِّ ظُهورَ خيرِ المَطايا خيرُ الفرسان من بيننا. فلكم مرّ علينا من صعوبات واشواك، في الخمسينيات والسبعينيات، وما تلاها. كانت عِللاً، وتشكيكا، وشدائد وأشواكا مؤلمة، فتحت عيوننا، فلم نركع ولم نطلق الرصاص على انفسنا هرباً. بل واجهناها وتجاوزناها بحصانة «المنعة الداخلية» وبالصبر وحشد المخلصين «وشدِّ احزمة العقول». ويقيناً انه لم تكن آنذاك أحلام من سبقونا من الآباء البُناة، احلاماً صغيرة أبدا. ولم يلطموا. ولم يجترُّوا الكلام الهادم المن?عث من الخارج او الداخل، بل وقفوا بحزم وحكمة مع النظام، كراماً ناصحين مدافعين، وتكاتفوا وصبروا، وتجاوزوا العواصف. واليوم أقول: أنني أعتزُّ بالنشامى وبالنشميات، أبنائنا، جيل الشباب، في مختلف مواقعهم العامة والخاصة،الذين يحافظون على إنجاز البلاد ويقومون بمسؤولياتهم بأمانة واقتدار، منتجون ورافعون راية البلاد، عالية، أينما حلّوا. إن اردننا غني بأهله، رجالًا ونساء، عالي الهمّة، ذوي كرامة وكبرياء، هم رصيد الأمة المتجدد وبُناةُ المستقبل -حماهم المولى.
خامساً: إن المنعة الداخلية، والمنعة الاقليمية مرتبطتان، لكن «المنعة الداخلية هي الأَوْلى بالرعاية». «فالمنعة الاقتصادية الداخلية بنظري هي بوليصة الأمان السياسي». فحين أُفْقِدَ الاتحاد السوڤيتي منَعَتَهُ الاقتصادية، في القرن الماضي،فَقَدَ تِباعاً منعته السياسية فضعُفَ وتفتت. وروسيا اليوم، تواجه بالحصار الاقتصادي، سلاحاً اقتصادياً وتحدياً، يعتقد الغرب إنهم به سيحققون نتائج مثيلة تُفضِي لنفس مصير الاتحاد السوڤيتي، من نقص مناعة اقتصادية الى نقص مناعة سياسية، إن استمرت حرب أوكرانيا. ربما لا يتحقق ذلك للغرب لاخت?اف الظرف! نحن في الاردن يشتد عودنا بمنعة أمننا الاقتصادي وبحسن التدبير في الادارة و باستثمار مواردنا المادية والبشرية، فتلك هي المناعة الحقيقية، وبها نُغذِّي منعة إخوتنا في فلسطين، ونحافظ على فضائلنا من عزيمة وصبر ووفاء. وأراني أُشاهِدُ، وجبيني يَعْلُو، جرأة الملك،وكرم الاردن- في عصر عزّت فيه هذه الصفات من جهة، وتعددت صور وأشواك الخصوم من جهة أخرى -ذلكم في تأكيده المستمر على مركزية القضية الفلسطينية، ورفع الظلم عن أهلها، وتأمين حقهم في تقرير مصيرهم وبالسيادة على ارضهم، واعتزازه بالوصاية الهاشمية على المقدس?ت الاسلامية والمسيحية كواجب يؤديه. كل ذلك بمواجهة خصم شائك–إن الله معنا.
سادساً: وتِباعًا، تجِدُنِي مع سيدنا في أن «التمكين الاقتصادي ليس بديلا عن الحل السياسي». والكلام هنا استراتيجي واعٍ. فلا عونُ الأونروا للفلسطينيين ولا المنح والغذاء بدائل عن حل سياسي يحفظ حقوقهم الانسانية وسيادتهم ويأمَنهُم من الخوف من المستقبل. وخلاف ذلك أعدّه تخديرا سياسيا. فحلم اهل فلسطين ليس حلماً صغيراً، بل رؤية مستقبلية مصيريةً سيادية.
سابعاً: تحدث الملك بواقعية واثقة عن علاقاتنا بواشنطن. وأقول هنا: إن اميركا اليوم هي الدولة العظمى -دولة مؤسسات، ولها اذرع متينة. وعلاقتنا بها استراتيجية، حساسة مالياً، وأمنيًا. لنا فيها ومن خلالها، مصالح رغم اهتزاز وبعثرة بعض دوائرها بفعل قرارات فردية من الرئيس السابق ترمب المتحيز لخصمنا–حين أبعد عن مركز القرار عنده، من يعرِفُنا ويعرف قضايانا أكثر، خاصة في دوائر الفعل والمال–وزارات الخارجية والدفاع والأمن. وكان الكونجرس في عهده حيْرانًا بصددنا منجذبا أكثر لغيرنا. أما إدارة بايدن فهي مختلفة، وتعاني بعض إربا? من قرارات سابقتها، فوقتها لإقليمنا ضيق نسبياً، لكن موقعنا وموقفنا الاستراتيجي محفوظ بفعل تواصلنا. والحكمة تقتضي استمرار ذلك بالمتابعة الحثيثة «المؤسسية»، رغم اعادة بايدن هيكلة وتصويب مواقع مهمة في الخارجية والمخابرات عندهم. وأعني بذلك، أنه مادمنا نعيش في بيئة دولية متلاطمة، فالحاجة ملحة لتجذيرٍ أكبرْ لأدوات التواصل، ليرقى الى دور مؤسساتنا البرلمانية والدبلوماسية وغيرها مع النظيرة الاميركية. ففي ذلك تكميل لجهود الملك الحثيثة وترسيخ لمصلحتنا، وإقناع بنجاعة نهج إدارتنا الداخلية.
ثامناً: إنّ تواصل الاردن، هو تواصل مبادر ٌمحمود، فلا ينتظر الملك حتى تتحرك واشنطن نحو المنطقة بجديد. ويبقى من المصلحة العامة، بل واجب دوائرنا، إعداد موقف استراتيجي متجددٍ محسوب لصياغة علاقة ذكية مستقبلية «مؤسسية» مع واشنطن، وغيرها، مبنية على برامج، غير مرهونة بشخص من يجلس في البيت الابيض. نحن نتطلع الى علاقة مستقبلية يُعِدها،أكفّاء خبراء، حتى نحفظ موقعنا ودورنا.
تاسعاً: لقد أسعدنا تأكيد الملك على قداسةِ الحفاظ على وحدة سوريا، وحل معضلتها دبلوماسيا، وكذلك موقفنا الاستراتيجي بحق ايران كدولة تجمعنا بها كلمة التوحيد. وينطبق ذلك على تركيا، وأن تبادر طهران التواصل مع العرب وعدم التدخل في شؤوننا الداخلية او بشؤون أطراف عربية، إخوة لنا. وما ننشده دوما، هو الأمل والحرص بأن تقدِّر أكثر، الدول الكبرى، وأشقاؤنا، سجلنا المعتدل. إن في الحركة بنظري بركة، فهي تنقل فكر الاردن وتفحص الردود و تؤكد الدور وتتعرف على النوايا. وقد يسأل احدنا، هل من ترابط مصلحي بين زيارات ملكية تمت لليون?ن وروسيا، واللتين تعمر صدور اهلها وقياداتها «الارثوذكسية» ولها دور فاعل بالتوازي مع البابا. نعم لنا هناك مصالح. وملف القدس والوصاية الهاشمية على المقدسات الاسلامية والمسيحية في الضفة الغربية للنهر المقدس هو أهمها. فهو ملف أرجِّح انه كان حاضرًا واضحاً مع بيوتن. فالاردن تنفعه الحركة الدائبة التي تجلب الغيث، رغم غيض الخصوم.
عاشرا: لقد تشرفت بالخدمة قرب الراحل العظيم الملك الحسين بن طلال، طيب الله ثراه، وعملت بمعية الأمير المثقف الحريص الحسن بن طلال، اطال الله عمره، وخدمت كليهما والدولة. وأعتز بمعاصرَةِ مليكنا المخلص، دائب السعي والحركة المثمرة، عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين، الحسين ابن عبدالله الثاني- سدد الله خطاهما. وعاصرت رجالا أقوياء مخلصين سبقوني، هم قدوة زرعوا الارض، والقيم الايجابية، وحافظوا على التراث. واليوم نحن نزرع، فيأكل، بإذن الله، من ثمار عزمنا، من يأتي غداً بعدنا.
والله أنشده العون والعفو والرِّضا: «اللهم لك المُلْكَ كلُّه، ولك الحمد كلُّه، وإليك يرجِع الامرُ كلُّه، أسألك من الخيرِ كُلِّه، وأعوذُ بكَ من الشرِ كلِّه.'اللهم يا مالِكِ المُلك، ربُّ العرشِ العظيم.