اشتمل المحور الثاني من المقابلة الملكية مع رئيس تحرير جريدة الرأي الدكتور خالد الشقران، شرحا وتوضيحا واسعا بإنسيابية وسلاسة يعكس وجهة النظر الأردنية حول الملفات العربية والإقليمية؛ كلمات حاسمة ووجهة نظر قاطعة، أكدت على الثوابت للدبلوماسية الأردنية التي لا تخضع للمزايدات، بقلب مفتوح للجميع وعلى مسافة مقربة من الجميع ايضا، فالتأكيد على جوهر القضية الفلسطينية لكونه الملف الأهم لم يكن أبدا من فراغ، بل توأمة مصيرية بين الشعبين، تعززها الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية كإرث وقدر، وبموجب اعتراف فلسطيني، عربي، اسلامي، ودولي، فهناك تنسيق وتفاهم ضمن خطة تتبنى القر?رات الدولية كأساس للحلول المقنعة والمنطقية، لضمان سلام شامل ودائم لدول المنطقة.
حسم جلالة الملك بحديثه الواضح الضبابية التي رافقت فكرة الانضمام لحلف ناتو جديد قوامه؛ عربي- إقليمي- عالمي، حاول البعض تسويقه لأهداف مشكوك بمشروعيتها بسبب لبس أو محدودية بالرؤية والتفكير، أو لقاء أجر بالوكالة يرافقه الإصرار على تسويق الهجمات الإعلامية دون اعتبار جميع المتغيرات بوضعها ضمن تصنيفها المستحق، حيث أعلن جلالة الملك بوضوح أن الأردن معني بتعزيز العمل العربي المشترك وتفعيله، ولن يكون أبدا، إلا مع حلف أمته العربية ومصالحها وقضاياها، فقراءة أمينة للتاريخ الأردني المشرف، توضح أن الأردن كان في صدارة المش?ركين في مواجهة تهديدات إرهابية وأمنية استهدفت دولا عربية وشعوبها والتي لا تتعارض أبداً عن الحاجة إلى منظومة عمل دفاعي مؤسسي عربي، وهذا يتطلب تشاورا وتنسيقا وعملا طويلا مع الأشقاء، بحيث تكون المنطلقات والأهداف واضحة، وهذا الأمر جلياً يعيد التذكير بجزء أساسي من المبادئ التي قامت عليها جامعة الدول العربية.
نستخلص من كلام جلالة الملك جزئية تحليلية مهمة، قد تكون الأساس للمستقبل القادم الذي يضمن الأمن والسلام، فلو نظرنا اليوم لمصادر التهديد التي تواجهنا جميعا، سنجدها مشتركة، وتتطلب تعاونا عربيا يستجيب لها، خصوصا مخاطر الإرهاب المتجددة، وشبكات التهريب المنظمة للمخدرات والأسلحة اعتمادا على رؤية واقعية تستند لخبرة قيادية وميدانية، نتيجة التعامل مع الملفات الشائكة في اقليمنا الملتهب والعالم، ليكون الأمر جليا بين المتحمسين والمعنيين بسلام يفصل لأقطار المنطقة، بما يتناسب وقدرتها التأثيرية على مجريات الأحداث، ضمن المب?رات والدوافع التي تحتاج لوقفة مراجعة حقيقية قبل المصادقة على أهليتها لتناسب واقع الأحداث وتطلعات الشعوب في المنطقة، فهناك نقاط ليست خلافية تعني الجميع؛ يتصدرها الأمن والسلام واستقلال الشعوب بأرضها، الأمن الغذائي والمائي، أمن الطاقة، آخذين بعين الاعتبار تاريخ هذه المنطقة الحافل بالمتناقضات وتبدل الأولويات، حيث اختصر جلالته الحلول بمرجعية المنطق لتبني المشاريع الإقليمية باعتبارها الكلمة المفتاحية للمستقبل، التي تضمن، نشر نسائم الطمأنينة والسعادة على الجميع بعدالة وتشاركية، وتمنح الجميع مصداقية بعد عقود من ال?لم والقهر التي اجتاحت هذه المنطقة بالذات، وما زالت ارتداداتها ماثلة بالتأثير، الأمر الذي يجعل تقبل البعض لفكرة الانضمام لتحالفات إقليمية، فكرة قيد الشك من أهدافها، وحصر ذلك بتوظيفها لخدمة أجندات خارجية بقالب شرق أوسطي.
فكرة انشاء حلف دفاعي، مرحب بها ولا تتعارض مع السياسة الأردنية منذ عقود، فهناك مساع أردنية لتشكيل نواة لمثل هذا الحلف، تتعدى حدود البُعد العسكري باعتباره الأساس، لتشتمل على الأبعاد الاقتصادية والغذائية والمائية؛ حيث جرى هذا التوافق والتنسيق لأهميته بين دول المحور العربي للانطلاق والتي تشمل الأردن، مصر، العراق؛ قوة إقليمة تكاملية منظمة، تستطيع فرض كلمتها بوحدتها وحرصها، وقد امتدت لمحاولة انضمام دول الخليج العربي، مجتمعة أو منفردة، بما يناسب ظروف كل دولة، حيث ان نواة الحلف الموعود تشكل المنطقة الوسطى لمنطقة ا?صراع، والكفيلة بحماية مبادئ السلم والسلام للجميع، من خلال تكامل اقتصادي ومالي ومائي وغذائي، يدعمه تنسيق عسكري قوي، سيحسب له ألف حساب، ضمن الدول الإقليمية التي تحاول الانفراد بالمنطقة والقرار لفرض شروطها التي تخدم مصالحها، لأننا ندرك غرور البعض لإحياء امبراطوريات انتهت صلاحيتها، أو تشكيلات جديدة ضمن رؤية أحلام تاريخية، تعشعش في ذهن البعض، أو التفكير الجنوني الخارج عن نطاق الواقعية، بخوض حروب بالوكالة ومهما كانت أسبابها ودوافعها، فمسميات الربيع العربي المؤسف ونتائجه المؤلمة، قد سمحت للبعض بالتمادي، الذي يجب ?ن يلجم ويوقف، لأن البيت العربي، هو القادر على ايجاد الحلول المناسبة، ووقف الدمار في بنيته التحتية، اضافة لوقف النزف في مقدراته.
الحديث الملكي كان صريحا وجريئا بلغة لا تحتمل التفسير ولا تحتاج لشروحات، خصوصا في القضايا الإقليمية والعالمية التي ستؤثر على المنطقة والأردن، وربما الإجابة الشفافة الحاسمة عن تشكيل ناتو الشرق الأوسط الجديد المتوقع ضمن التغيرات الإقليمية القريبة، أوضح الرؤية الأردنية بضرورة التريث لأن الأحلاف مسألة معقدة إذا لم يتم تحديد ماهيتها ومهامها الأساسية، مؤكدا ومكرراً بضرورة مراعاة الارتباطات الأخرى مع دول العالم والوصول إلى الصيغة المناسبة لتكون مهمة التحالف واضحة جدا، وإلا ستربك الجميع؛ وهي رسالة استباقية للعرابين?والمتحمسين، ليكون الحلف المنتظر، بخدمة المنطقة، وبعيدا عن التجاذبات العالمية، حتى لا يصنف بتبعية، تكلفه الكثير؛ نحتاج لوقفة مراجعة لتصنيف الأعداء ولجم مطامعهم.
رؤية الأردن الجديد بالحديث الملكي واضحة وتتمثل بمسؤولية تجاه أجيال الحاضر والمستقبل، بتعزيز مبادئ الحداثة، والبناء على منجزات الماضي، بإدراك عميق لحجم الإمكانات والحاجات والفرص وضرورة الاستثمار في الموارد والعقول والمواهب؛ الأردن الجديد يمضي قدما بمجتمع قوي ومنتج، ومشاركة واسعة في اتخاذ القرار، واقتصاد يعزز عناصر القوة والمنعة، وضمانة ذلك كله، قضاؤنا العادل وسيادة القانون على الجميع والعمل بتشاركية وبجدية ووضوح، فقد حان الوقت لاستراحة من الهموم والانتقال لاستراحة تجدد روح الانتماء والعطاء.
جلالة الملك: شكراً لأننا بامس الحاجة لهذه الجرعة الوقائية من الشفافية لمستقبلنا وللحديث بقية.