كتاب

جلالة الملك: رسالة الحسم الأردنية عبر نافذة الرأي

السطور الذهبية التي لخص فيها جلالة الملك واقع الأردن الحالي وتصوراته للمستقبل خلال المقابلة الصحفية بإطلالة خاصة مع رئيس تحرير جريدة $ الدكتور خالد الشقران، والذي استطاع بحرفية يستحق عليها العلامة الكاملة، بناء تسلسل تصاعدي لمحاور الاهتمام الوطنية ليكون حديث الحسم من رأس الدولة، بعيدا عن حارات الإشاعات والتوقعات التي تحكمها ظروف منظري الصالونات السياسية، ضمن ثوابتهم ومعتقداتهم التي تتغذى بالأنانية والانفراد، وتحتفظ بحق التوريث كخطة بديلة للبقاء ضمن دائرة الضوء، وربما إدارة تحرير $ كانت موفقة جداً عندما أعلنت عن البنود العريضة للمقابلة دون الإفصاح عن محتواها؛ درجة من التشويق وفرصة للتفكير لدى المهتمين عن محاور اللقاء، فترة ترقب وقلق ليلية صرفها البعض، لتمنح ميزانا ذاتيا يجب قراءة درجاته للحكم على سلامة التفكير بعد الإطلاع على نص المقابلة كاملة عبر النسخة الورقية او الإلكترونية، ويمكننا تقسيم محاورها للداخلية منها التي ركزت على هموم الأردن وشعبه والتحديات الرابضة للانقضاض على مدخلاته، بينما هناك المحور العربي والإقليمي، الذي يرتكز على ثوابت سياسة الاعتدال الأردنية، التي جعلت منه الرقم الصعب في المنطقة والعالم.

المقابلة شاملة لجميع الملفات الوطنية والإقليمية، وقد غطت كافة جوانب الاهتمام، إضافة لكونها احتضنت عناوين ثوابت الدولة الأردنية المعلنة بكل المناسبات وبعد تعرضها لحملة تشكيك ظالمة، تنفذها أيادٍ مرتزقة عبر وسائل التشكيك والتحريض، ولعلها مناسبة جاءت بلسان جلالة الملك وصريح العبارة تُقرأ أحرفها وعباراتها لتكون رسالة الحسم والقول لمن يبحث عن الحقيقة وعليه أن يدرك بأهمية سيف الوقت للعمل والتقدم، بدلا من التباكي على فشل التوقعات، فالأردن القوي المستقر هو مصلحة جماعية وفردية، ولن نسمح لأحد بالاقتراب من جدرانه، كما أن التوافق بين القائد والشعب، هو أنموذج يصعب اختراقه أو العبث بمكوناته، لأنه مركز للاستئناس العالمي والإقليمي، ولعل ظروف الإقليم الشرق أوسطي الملتهبة قد زعزعت الاستقرار لمحيطنا بدرجات، ولكنها لم تقترب من أردننا، بل أصبح الأردن المحج والقبلة لمن يبحث عن السلام والسلم والأمان.

الدعوة الملكية خصوصا للفئة الشبابية التي تتطلع لقيادة المسيرة السياسية لأردن المستقبل بتشجيع ملكي، كان لها حيز واضح من المقابلة الصحفية، فمسؤولية الدولة تنحصر بتوفير البيئة الصحية المناسبة للعمل الحزبي ضمن قوانين ناظمة تحت مظلة الدستور، ولا يمكنها أبداً المخاطبة للمعنيين بصورة فردية للانخراط بالعمل الحزبي، بل هناك حاجة ملحة بضرورة الانتقال من مرحلة التسويف والتنظير والتشكيك، إلى مرحلة التأسيس والمنافسة والتطبيق، حيث أكد جلالته ترحيبه بحماس العمل الحزبي المبني على الرؤية الوطنية لتقديم خدمات متساوية للشعب وأعلن بأن الأبواب مفتوحة أمام الشباب لقيادة مسيرة التحديث، لكن عليهم ألا ينجروا خلف الشعارات الشعبوية، بل أن ينخرطوا في البرامج الواقعية والقابلة للتطبيق، بعيدا عن المزايدة بالشعارات المستهلكة التي ترتدي ثيابا وطنية مزركشة تذوب ألوانها بأول اختبار، وسرعان ما تتبدل حسب المناسبة والمواقف التي تسلك طريق المصالح الفردية على حساب الجماعة.

الدولة ممثلة بجلالة الملك، كانت المبادرة بتحديث منظومة العمل السياسي والحزبي والنقابي، خطوة ترجمت حلم كل منا ومرت بقنواتها الدستورية عبر لجانها المتخصصة، وتم إقرارها عبر المجلس التشريعي للقوانين الأردنية والمصادقة الملكية عليها؛ خطوة كانت حلما ولكنها اليوم واقعا مشرفا، ينتظر المبادرة من الفئات ذات الاهتمام للإفادة منها واستخدامها سواء على تطبيق فقراتها أو المبادرة لتفعيلها، والبداية تكون كما طالب جلالة الملك وتمنى على بعض نخبنا أن تهجر ثقافة الصالونات السياسية وتنخرط في الحياة الحزبية، فالتغيير للأفضل لن يكون إلا بأدوات الديمقراطية المعروفة، والمشاركة لن تتحقق في المرحلة المقبلة إلا بالعمل الحزبي المنظم، وعدم انكار الإنجاز أو الإساءة للمسيرة؛ الاختلاف بالتفسير والاجتهاد ظاهرة صحيحة، ولكن التشكيك بالمواقف يتمتع بدرجات من الظلم وغير مستحقة.

أعلن وأطلق جلالة الملك بصريح العبارة رسالة اطمئنان أردنية بقالبها الوطني بوجود رؤية اقتصادية متكاملة للعبور إلى المستقبل، وهي حصيلة جهود وضعت من قبل قيادات وخبراء من القطاع الخاص وبالتشاركية مع المسؤولين، ولا يجوز التهاون في تطبيقها، فأمام الحكومة مسؤولية وضع خطة تنفيذية وجدول زمني واضح لتنفيذ مخرجاتها باعتبارها خريطة طريق وطنية عابرة للحكومات. رسالة واضحة لا تحتاج للتفسير لأنها أوجزت واختصرت أمانينا وأحلامنا بترجمتها لواقع، موضحة الدور المسؤول للسلطة التنفيذية وأذرعها لتنفيذها ومتابعتها، بعيدا عن شخصنة الأمور أو الخضوع لفتوى الاجتهادات الشخصية، لأنها خطة عمل يتضمنها خطاب التكليف السامي للحكومات، حتى لا تُرحل المشاكل ويُلقى اللوم على الفريق الحكومي السابق، تمهيدا لبداية جديدة تتكفل الأيام بزركشتها، ضمن سياسة الترحيل.

ربما نجتهد لنستنتج ونستشف من بين السطور برسالة غير مباشرة لضرورة وإلزامية التعاون بين أجهزة الدولة ذات الاختصاص وعلى جميع المستويات؛ السلطات الثلاث بصلاحياتها ودون تداخل أو تسابق، وتعاون اتحادي بين القطاعين العام والخاص، ضمن سياسة ليست تنافسية، أو تبادل الاتهامات بل راعية للمصالح الوطنية، بأداء أنموذجي لكل منهما، ينعكس ايجابا ملموسا على حياة المواطن الذي أنهكه الغلاء والبطالة والقلق، حيث لا بد من محاربة الاحتكار والجشع، إضافة لاستغلال عوائد الروافد الوطنية لتكون شاملة لمساحة الأرض الأردنية، فهناك رصيد للبناء والتقدم، تلازم بخطواته مع مسارات التحديث السياسي والاقتصادي والإداري، لتحديث الدولة بشكل شامل، دليل وبرهان على ضمانة سلامة أداء القطاع العام، يمثل الخطوة الأولى الصحيحة، فالتجارب تلخص الواقع؛ دون قطاع عام كفؤ ورشيق، لا يمكن المضي قدما في تحقيق الطموحات، فالإدارة العامة هي العصب المركزي للدولة، ويجب أن تتطور كفاءتها وإنتاجيتها ومرونتها، خدمة للمواطنين وأهداف الدولة وتطلعاتها، ومواكبة التغيرات العالمية في الإدارة وفي تقديم الخدمات العامة؛ باختصار ومن الآخر، نحن بحاجة لثورة إدارية شاملة بمواصفات تناسب الحاضر تتزامن مع إعادة ترتيب البيت الداخلي ومقوماته وتعريفاته بما يتناسب وواقع الحال، وللحديث بقية.