كتاب

عالَمٌ مجنون هَمَّشَ الإنسان

ليست كل «حداثة» إنسانية المضمون، وليس كل «تحديث» يخدم القيم الانسانية. هناك حداثة مادية التوجه، لا تلتفت الى المشاعر الانسانية. ما يعنيها هو العادات الاستهلاكية المبتذلة التي تلبي نداءات «الغريزة» و'البرستيج».

مثل هذه الحداثة ساقطة، بات الغرب يُسوقها للبلدان النامية ومنها بلداننا العربية والاسلامية. الحداثة الساقطة آخذة في الانتشار، لا يردعها رادع أخلاقي او مجتمعي. الحبل متروكٌ لها على غاربه.

أعجبني في هذا السياق تعبير للمفكر الراحل د. عبد الوهاب المسيري وهو يشير الى هذه الظاهرة الشاذة العالمية. يقول المسيري: «إني أرى أن المرحلة الحالية هي المرحلة الاستهلاكية التي بات العالم فيها يتحول الى سوق ومصنع ونادٍ ليلي!». تساءلت بيني وبين نفسي: لماذا خلع هذا المفكر مثل هذه الصفات على عالم اليوم!؟ هل كان مُغالياً، ام انها الحقيقة التي عبّر عنها؟

'العالم تحول الى سوق ومصنع وناد ليلي» هذا ما توصل اليه هذا المفكر وعبر عنه في بعض دراساته. (د. عبد الوهاب المسيري، «الصهيونية وتأثيرها في علاقة الاسلام بالغرب»، ص 19، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية)

ما أسوأ ان تنحط القيم، وتُداس الاخلاق، ويغدو «التحديث» مظهراً سلبياً لا يتعدى «الاحتياجات الاقتصادية والنفسية للإنسان الاقتصادي والجسماني.

حين يقول عالم ومفكر بحجم عبد الوهاب المسيري ((إن عالمنا تحول الى سوق ومصنع ونادٍ ليلي» إنما يعني حضور علاقات انتاج قائمة على اساس انساني او اخلاقي. يعني -ووفق مقولة المسيري نفسه- «ان يصبح العالم مجرد مساحة ضخمة يسري عليها قانون مادي واحد». اما هذا القانون فقد شرعنه النظام الرأسمالي نفسه بعيداً عن القيم الانسانية قام بتنميطه ليخدم توجهاته. هو الآمِر، والعالم النامي هو المفروض عليه «التلقي».

لا نستغرب -اذن- إذا اصبحنا كمجتمعات نامية مجرد «مادة استعمالية» -على حد تعبير المسيري- يتم تشكيلها وصوغها وفق إرادة «الامبريالية العالمية». اختزال الامبرياليين أبعاد الحياة الانسانية في «البعد الواحد» وهو بالطبع «البعد المادي». همشوا انسانية الانسان: قيمه وطموحاته الانسانية، فأمسى «السوق والمصنع والنادي الليلي» الحيّز الذي يتحرك في إطاره الكثيرون من البشر في العالم!

بات «الاعلام» من تلفاز وإذاعة ومجلات فاقدة الهيبة تحرض على «اللذة» و'البرستيج» تماشياً مع أهداف النظام الرأسمالي.

أما «الاديان السماوية» فلم يعُد هذا «النظام الرأسمالي» يلتفت إليها، إلا حين يُبرر بها اطماعه الامبريالية. حينها يوظف بعض مفردات الاديان في غير ما وُضعت له مُسوغاً سياسته الامبريالية.

الشركات الرأسمالية العملاقة تحوم اليوم حُرة، طليقة فوق العالم تُحدد لبشره سلوكياته، وهي بالمطلق -لدى الكثيرين- «سلوكيات السوق والمصنع والنادي الليلي'!

لم يكن الراحل المسيري مُتجنياً في وصفه لِ'المرحلة الاستهلاكية» التي يمر بها عالمنا بأنها مرحلة «السوق والمصنع والنادي الليلي». إن كل الاعلام الغربي وبخاصة الاميركي يصبّ في هذا الاتجاه، اتجاه «يُخاطب الغرائز الجسدية التي يحركها مبدأ اللذة».

فلنقرأ ما يقوله باحث ومفكر عربي هو د. فؤاد شعبان مؤلف كتاب «من اجل صهيون: التراث اليهودي المسيحي في الثقافة الاميركية» ورئيس قسم الدراسات العليا بجامعة دمشق، في هذا الصدد: «إن «ثقافة الاستهلاك» تشكل بالفعل خطراً داهماً وحقيقياً على المجتمعات الضعيفة والمتأخرة، خاصة على قيمها الاخلاقية والاجتماعية. ولا شك ان ثمة ترابطاً وتزامناً بين ثقافة الاستهلاك وظاهرة العولمة التي اصبحت واقعاً محسوساً في حياة الامم كلها». (من حوار أُجري معه: «مرايا في الفكر المعاصر»، تأليف يوسف محمود)

إن «ثقافة الاستهلاك» التي تحدث عنها هذا الباحث أساءت الى الضمير الانساني. أحالت المجتمعات النامية، ومنها مجتمعاتنا الى «اسواق» تُزري بكرامة إنسانها. فتحت شهيته على كل ما يشبع لذة «الغريزة» والاستهلاك المادي. أما ما يُغذي «العقل» و'الوجدان» فبات نادر الحدوث. وإن - حدث - فهو يخصّ شريحة قليلة من هذه المجتمعات ما زال لديها عاصِمٌ من هذا السيل الجارف القادم من الغرب الامبريالي!

youseffmahmouddd34@gmail.com