في زمانٍ كلّه سطوة، تهوي، على أسماع الناس ويقينهم، مفاهيمُ أقلّ ما يقال فيها أنّها طاغية، بمعنى أنّها تمارس الطغيان وتستهدفه، بقصد الهيمنة على رأي الناس وقناعاتهم ونفوسهم.
مفاهيمُ تتوسّل الطاعة والخضوع قبل كلّ شيء، فهي لا تريد لأحدٍ أن يفكّر أو يحاور، أو حتى يتأمّل. وعلى الرغم من اختلاف المفاهيم ودلالاتها وأصحابها، فإنّها تنهل من معين الهيمنة والطغيان نفسه. فتهوي على المسامع عبارة «الشرعية..»، كأنّها فؤوس أو بَلطات، بقصد اجتثاث العقول، مهما عظمت، وغير آبهةٍ بقيمتها، أو مدى علاقة عمل العقل مع مضمون فكرة الشرعية.
ومن اللافت، أن يُراكِم معجمُ المشتغلين السياسيين، في قيادة الاحتجاجات الشعبية العربية، هذا الكمّ الكبير من المفردات، حول الشرعية، خلال تلك الفترة القصيرة. ففي جانب هؤلاء، تسمع عن شرعيات؛ الثورة، الشهداء، الميدان، التغيير، الإصلاح، الدين، الديمقراطية.. وغيرها. وفي جانب المتمسّكين بالحكم والسلطات، تسمع عن شرعيات أخرى؛ الشرعية الدستورية، الشرعية الوطنية؛ وعن شرعية؛ الصناديق الانتخابية، القومية، المقاومة والممانعة.. وغيرها.
لا شكّ أنّ الجميع يُدرك اليوم حتمية التغيير. ولا شكّ أيضاً أنّ هذا «الكلّ»، على اختلاف أنواعه واتّجاهاته، يحاول دفع دفّة التغيير، بالاتّجاهات التي تناسبه، أو قُل بالاتجاه الذي يعتقد بصحّته. وفضلاً عن اختلاف أطراف هذا «الكلّ»، على وسائل التغيير، وعلى المديات التي ينبغي الوصول إليها، فإنّ اللافت هنا هو محاولات تسلّح الأطراف، في خطابها، بوسائل القوة التي تمكّنها من بلوغ أهدافها، وعلى رأسها فكرة الشرعية، التي كثُرت في الآونة الأخيرة المفاهيم المضافة إليها، وعلى نحوٍ أدّى إلى تآكل مفهوم الشرعية نفسه. ذلك أنّ المفاهيم المضافة للشرعية تستخدم نفس الوسيلة، التي استخدمتها السلطات الرسمية، خلال العقود الماضية، لتأبيد بقائها وديمومتها. ناهيكَ عن أنّ مفهوم الشرعية، وبالشكل المستخدم عربياً، وتراثه السياسي الوفير، يتوّسل في مضمونه، عند المتلقّي، يقيناً واستسلاماً للسياسة يشبه الخضوع، المستمدّ من فكرة «الشريعة..»، باعتبار الراسب الديني العميق عند الشعوب العربية.
منذ أن تنبّه الإنجليز، وشركاؤهم الفرنسيون، عشية الحرب الكونية الأولى، إلى شكل الشرعية الدينية، التي حاول الحاكم العثماني تقمّصها في أواخر عهده، ووظّفوها لصالحهم في إعادة الإمساك بالعنق العربي، لا تزال المنطقة تعيش أزمة فكرة الشرعية. فعلى الرغم من امتلاء أنهار المنطقة وقنواتها، بأشكال الحكم الجديدة، وبما تناسل من أشكال أنظمة الانتخاب، المتفرّعة من الديمقراطية الغربية، بما فيها مفهوم العقد الاجتماعي، فإنّ فكرة الشرعية لا تزال تسدُّ مجاري المياه في بلادنا، لا من حيث مضمونها، بل من حيث الشكل والفهم العربي له. إذ لم تعُد الفكرة تتحدّد بذاتها، كما هي المفردة المعبّرة عنها؛ الشرعية، بل يضاف إليها حدّاً لامتناهياً من المفردات، التي تخلع المعنى من جذوره ومن سياقه. فمِن شرعية السلاح، إلى شرعية الأمر الواقع، تتلوّى السياسة العربية، في مفازاتها، بحثاً عن متواليات شرعية لتأبيد جوهر ما هو قائم..!
fafieh@yahoo.com
«سَطوة المفاهيم»
11:09 20-7-2022
آخر تعديل :
الأربعاء