الدور الأردني بمشاركة جلالة الملك بقمة جدة للأمن والتنمية وبرعاية أميركية تتمثل بحضور الرئيس الأميركي جو بايدن، ومشاركة عربية صافية من دول الخليج العربي، إضافة للشقيقتين مصر والعراق، يعطي للملفات التي نوقشت نكهة خاصة بالنتائج المرتقبة، وربما أنها محتوى متجدد فرضته الظروف الدولية اليوم، لأن المواضيع المعلنة للنقاش والتباحث؛ كانت محتوى طرح ملكي بلسان جلالة الملك بأكثر من مناسبة، نتيجة منطقية لرؤية استباقية للأحداث من زاوية التحليل الواقعي الذي يستند على القراءة الدقيقة وتوظيفها بالشكل الأمثل لوضع الخطط للتعا?ل معها، ويمكننا نفخر أن نذكر، أن محاور البحث والنقاش في هذه القمة، ذات بُعد وتصور أردني، لتأكيد أهمية الدور المركزي والمحوري لهذا البلد الصامد والمرابط، بقيادته الثاقبة، وما تمثله من عنوان للإعتدال والسلام.
مناقشة ملف العلاقة مع دول المنطقة وأهمها دولة ايران لتبديد المخاوف والهواجس الأمنية والتي تحتاج لدعم أميركي صريح، هو الملف المتقدم على مائدة البحث في القمة بصورته المباشرة أو الضمنية، دون أن يعطيه صفة الأهمية الأولى لأننا أمام أولويات واستحقاقات جديدة وأعادة جدولة وترتيب، وبحاجة لتفاهمات وايضاحات، ومع ذلك، نذكر بواحد من تصريحاته الصحفية الشهيرة وأثناء مقابلة أخذت بُعدا بالتحليل، طالب جلالة الملك بتوضيح صورة العلاقة التي تحسم طبيعة التعامل مع دولة ايران، بعيداً عن التشنجات الإعلامية التي ترى فيها فرص التهدي? لإحداث فجوات التمدد العقائدي، خصوصاً أن بداية هذا القرن قد شهدت خلطاً مؤسفاً لتضاريسه السياسية، مروراً ببركان ثورات الربيع العربي التي أعادت عجلة التاريخ للزمن البعيد، تخللها ظهور منظم برعاية مبرمجة لبعض الجماعات المتشددة، التي ارتدت عباءة الدين لتنفيذ مخططات تخدم العرابين؛ أنهكت الإقتصاديات العربية وفشلت بترجمة أهدافها، ولكنها أعاقت المسيرة بزيادة الشرخ المجتمعي في الدول التي طحنها هذا النوع من التقلبات.
جلالة الملك طالب بأكثر من مناسبة بضرورة إيلاء الأمن الغذائي والمائي ضمن الخطط التي تضمن الاستقرار لهذه المنطقة، حيث كانت المطالبة شاملة لدول الإقليم بصورة تكاملية، مطالبة منطقية بعد استقراء لواقع الحال الحسي، الذي يجب أن يقفز عن حاجز الأنانية، ليكون شمولياً باعتباره الأمثل والمناسب لهذه المنطقة الغنية بالخيرات، وضمن قاعدة التبادل المبنية على سقف الثقة الكفيلة بإيجاد حلول سياسية للأزمات في الإقليم وتعزيز العلاقات الثنائية، ومحتوى هذا الملف بتداخل واضح مع ملف الطاقة ذات البعد الوجودي الآن، بعد أن عصفت الأحدا? العالمية وانهارت التوقعات ضمن ضبابية للمستقبل، وتبدلت الأولويات التي تحكمها المصالح، وللتذكير بما طالب به جلالة الملك بضرورة العمل بشكل مشترك بين دول المنطقة لتشكيل مجموعات للمنعة الإقليمية لضمان التصدي على المدى الطويل لمتطلبات الأمن الغذائي، وطالب بوضع السياسة جانبا والنظر إلى الفرص الاقتصادية كسبيل لكسر الحواجز، قائلاً: «أعتقد أن المشاريع الإقليمية هي الكلمة المفتاحية للمستقبل» بهدف توفير فرص العمل وحياة أفضل للجميع.
اختصاراً، النتائج المعلنة لزيارة الرئيس الأميركي حتى الساعة تتطابق مع وجهة النظر الأردنية باعتبار القضية الفلسطينية أساس الصراع، وحل الدولتين هو الحل الأكثر واقعية، والرعاية الهاشمية للمقدسات حقيقة غير نقاشية، وتأكيد على واقع الأرض بأنه لا يمكن تحقيق التقدم في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي دون المظلة الأميركية. وربما الاعتراف بمركزية الدور الأردني في المنطقة، ووقوفه بمسافة واحدة من الجميع، وقدرته على اتخاذ القرارات المناسبة وتنفيذها، سيجعل من الأردن نقطة الارتكاز لمبادرات التطبيق لقرارات القمة التي تهدف ل?وضيح رؤية المستقبل لواقع هذه المنطقة التي تطمح بالسلام والاستقرار بعد عقود من الفوضى والصراعات، وربما المحطة الأولى بالتنسيق الأردني- المصري- العراقي، والتي أعقبها التنسيق المتجدد مع السعودية والإمارات، تمهيداً لشمول جميع دول الخليج، هو قناعة عربية بوحدة الواقع والمصير، والتي تفرض شكلاً من أشكال التعاون والتنسيق، ومهما اختلفت مسمياتها.
التوافق المعلن عن جدول الأعمال لقمة جدة التي تنعقد ضمن توقيت عالمي حساس وكما جاء على لسان المتحدثين، يبعث برسالة أن الأردن بلد محوري، ونقطة الانطلاق لمبادرات الحلول الواقعية، فمحاوره تلخيص لاستقراءات ملكية، تعطي الدروس وتؤشر للقادم فكلمة جلالة الملك لخصت التشخيص الدقيق لمشاكل المنطقة، ووصفة العلاج المناسبة لكل منها وللحديث بقية.