كتاب

رصاصة القرن!

وأخيراً وجدت الرصاصة المراوغة التي تسببت في انهاء حياة صحافية ناجحة امتهنت نقل الخبر الصادق بالصوت والصورة على مدى ربع قرن في منطقة ملتهبة، وجدت طريقها الى أيدي صانعيها للتأكد من أنها أصلية، نقية المعدن، معروفة المنشأ، مطابقة للمواصفات العالمية المعتمدة، لم تتعرض للتشويه أو التلاعب قبل وبعد فترة رقادها في مخزن البندقية!.

فبعد اللغط الدولي الواسع حول هذه الحادثة المعقدة تململ «ضمير» صاحب المصنع قليلا، وأصر على التحقق من أن بضاعته الخاضعة لكفالة مدتها قرن كامل من الزمان ضد أي نوع من التلف، العفوي أو المتعمد، أو العبث أو حتى الاستعارة من طرف ثالث، كانت سليمة!.

لذلك شكلت إدارة المصنع الكبير لجنة فنية متخصصة على قدر عال من المعرفة والدراية بخبايا مثل هذه الذخائر بهدف إعداد تقرير مفصل حول مسار هذه الرصاصة منذ لحظة اكتمال صنعها، مروراً بمرحلة تلميعها وتعليبها ثم شحنها، وانتهاء بساعة حشوها في مخزن البندقية الاتوماتيكية الانيقة، استعداداً للحظة الحاسمة حين تبرز الحاجة لاطلاقها باتجاه أي هدف قد يظهر بغتة على الجانب المعادي!.

ونظراً لحساسية الموضوع فقد يستغرق اجراء مثل هذا التحقيق بعض الوقت، ويعتمد ذلك بالطبع على همة أعضاء اللجنة المختصة، ومراعاة اية تغييرات غير منظورة قد تكون الرصاصة قد تعرضت لها اثناء رحلتها من المصنع الى مواقع الاشتباكات على بعد الاف الاميال، علما أن أصحاب المصنع كانوا قد اطلعوا مسبقا على استنتاجات عدة تقارير كتبت بعناية فائقة عن الحادث من قبل جهات متخصصة في اجراء تحقيقات استقصائية في حالات مشابهة. لكن التجارب المتكررة علمتهم أن لكل حالة حيثياتها وتفاصيلها الخاصة بها التي يجب أخذها بعين الاعتبار!.

من هذا المنظور لم تعد المعلومات والحقائق والتفاصيل الاخرى التي جاءت في تلك التقارير المحايدة مهمة، ولا اسباب ارتكاب عملية القتل ودوافعها ونتائجها، أو حتى طريقة التعامل مع التقاليد والاعراف المعمول بها من جانب ذوي الضحية اثناء تشييع الجثمان. فهذه تفاصيل جانبية لا تقشعر لها الابدان أو يندى لها الجيين، وليست ذات صلة بواقعة خروج الرصاصة مدار البحث من فوهة البندقية التي كانت مستقرة على الكتف الايمن للجندي المحترف نحو هدفه المتمثل في مراسلة صحافية مدنية كانت تمسك الميكروفون بيمينها وتحاول تثبيت خوذة راسها الواقي? بيسارها، وهي تحاول الاحتماء خلف جذع شجرة على بعد بضع عشرات الامتار من موقع الجندي المتربص في صبيحة ذلك اليوم المشمس.

على الاغلب ستتوصل اللجنة الى نتائج من هذا القبيل: نعم الرصاصة كانت سارية المفعول اثناء استخدامها المهني، نعم مواصفاتها مطابقة تماما لمعايير الجودة والاتقان المعهودين لدى المصنع، نعم تم بيع او أهداء الرصاصة للجهات المعنية حسب اصول الصداقة التقليدية بين الطرفين، وبموجب اتفاقيات نافذة للدفاع المشترك. لكن اللجنة ولعدم اختصاصها لا تستطيع الخوض في تفاصيل موجبات وظروف استخدام الرصاصة كونها بعيدة جدا عن ميدان الاحتكاك، وكونها في نهاية المطاف جهة خارجية عن المسألة التي يختلف حولها الطرفان المعنيان.

لهذا من المؤكد أن اللجنة الفنية تلك ستوصي بعرض هذه الرصاصة في مكان بارز في احدى خزائن الاسلحة والذخائر الفتاكة التابعة لمتحف «سميسونيان» الأشهر في العاصمة واشنطن، لكي يراها طلبة المدارس والجامعات والزوار على مدار الاجيال المتلاحقة، تماما كما دأب الناس مشاهدة لوحة «المونوليزا» للرسام ليوناردو دافنشي في متحف اللوفر الباريسي منذ عام (1797).

وعندما يدخل الزوار قاعة العرض عام 2222 سيقرؤون العبارة التالية مطبوعة اسفل الخزانة: «رصاصة القرن 21 التي أمكن تحديد هوية ضحيتها على الفور واسمها (شيرين ابو عاقلة)، لكن البحث عن الجاني ما يزال جارياً حتى اليوم'!.