كتاب

الغذاء كمسألة سيادية

شهد العامان 2007-2008 صدمة عالمية حرجة في أسعار الغذاء، أصبحت معها أزمة الغذاء العالمية جزءاً من الأزمة الثلاثية (Triple «F» Crisis) التي تعني أزمة حروف F الثلاثة، وهي الحروف الأولى من الكلمات: Financial, Fuel, Food أي أزمات الغذاء، والوقود، والمالية. وقد تصاعدت أسعار الغذاء العالمية في العام 2007 والنصف الأول من العام 2008، وارتفع مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأغذية والزراعة «فاو» FAO إلى ما يقرب من 50 في المائة بين العامين 2007و 2008. وبدأت أسعار الغذاء ارتفاعاً جديداً في يونيو 2010، وبحلول فبراير 2011 سجل مؤشر أسعار الغذاء لمنظمة الأغذية والزراعة ارتفاعاً بلغ مستويات قياسية.

وبالنظر إلى أن المنطقة العربية من أكثر المناطق اعتماداً على الواردات الغذائية في العالم، فقد تأثرت بشدة بسبب الزيادات في أسعار الغذاء العالمية. فهذه الزيادات في أسعار الغذاء كانت حافزاً مُهماً في أحداث الربيع العربي. فعلى الرغم من أن «الربيع العربي» كان حركة سياسية للتخلص من الأنظمة القمعية غير الديموقراطية، فقد كانت لها أيضاً أسس اجتماعية واقتصادية مهمة تمثلت في شكل تضخم أسعار الغذاء، فضلاً عن ارتفاع مستويات البطالة وزيادة أوجه عدم المساواة.

وقبل اندلاع الحرب الروسية-الأوكرانية في فبراير الماضي، وصلت أسعار الغذاء العالمية اعلى مستويات لها على الأطلاق بسبب مشكلات تتعلق بالعرض والطلب، وارتفاع نفقات الإنتاج، واضطرابات التجارة الدولية وسلاسل الأمداد جراء تفشي وباء كوفيد-19، فضلا عن تقلبات الطقس الناتجة عن ظاهرة التغير المناخي، والتي ضربت مختلف مناطق العالم، وأثرت على الإنتاج الزراعي، وارتفاع أسعار الغذاء في العالم، ناهيك عن تزايد عدد سكان العالم بما يقارب 2مليارنسمة في غضون عقدين من الزمن من 6 مليارات نسمة عام 2000 إلى ما يقارب 8 مليارات نسمة عام ?020.

ومع دخول الحرب الروسية-الأوكرانية شهرها الخامس قبل عدة أيام تفاقمت أزمة الغذاء العالمية، بحيث قدرت خسارة السوق الدولي من صادرات القمح الروسي والأوكراني نحو 50 مليون طن المتضرر الأكبر من هذه الخسارة الدول العربية -لاسيما أكثرها انكشافاً كسورياً، واليمن، والسودان- التي تستورد نحو 60 في المائة من الحبوب من روسيا وأوكرانيا، بسبب مزايا السعر المنخفض.

هذه الظواهر الثلاث- أزمة الغذاء العالمي، والربيع العربي، والحرب الروسية الأوكرانية- أصبحت جزءاً من اقتصاد سياسي جديد للأمن الغذائي يٌطلق عليه » السيادة الغذائية – Food Sovereignty» وهو مفهوم يعتمد على مبدئين رئيسيين هما: التركيز على الغذاء من أجل الناس، فالغذاء الكافي والصحي والملائم ثقافياً حق لجميع الأفراد والشعوب والمجتمعات، فهو ليس سلعة أو عنصر للأعمال التجارية. والمبدأ الأخر هو، العمل على التقارب بين مقدمي الأغذية والمستهلكين، فالسيادة الغذائية تحمي مقدمي الأغذية من إغراق الأغذية والمعونات الغذائية في?الأسواق المحلية، كما تحمي المستهلكين من الأغذية الرديئة النوعية وغير الصحية، والغذاء الملوث بالكائنات المُعدلة وراثياً، والممارسات التي تعتمد على التجارة الدولية غير المستدامة وغير العادلة، والتي تعطي السلطة للشركات البعيدة خارج نطاق الدولة وغير الخاضعة للمساءلة.

أي أن هذه السيادة الغذائية تحددها وتشكلها اهتمامات السلطات واسعة النطاق، وليس من جانب السوق فقط، مما يعني ضرورة الابتعاد عن معاملة الغذاء بوصفه سلعة تلتزم بقواعد السوق وقوانين العرض والطلب، ورفض العولمة التامة للنظام الغذائي الذي يخضع فيه الأمن الغذائي في كثير من الدول لإملاءات عدد قليل من الشركات متعددة الجنسيات العملاقة، وعدد قليل من البلدان القوية. وتبدو مدى الحاجة إلى ممارسة السيادة الغذائية في الدول العربية خاصة، انطلاقاً من مسألة علاقة سياسة الغذاء بالسلطة، وهي من المسائل التي تدخل ضمن باب «السياسة ا?حيوية » في فلسفة السلطة عند المفكر الفرنسي ميشيل فوكو.

aref_murshed@yahoo.com