محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

العنف المجتمعي.. يدق ناقوس الخطر

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
نادية ابراهيم القيسي

نستيقظ كل صباح -في الآونة الأخيرة- على مشهد مرعب جديد يقع في بقعة ما على وجه الأرض متضمناً روايات متناقضة منها ما جيدَ حبكها ومنها ما هو هزلي بسذاجة مفرطة فما بين الخيال والمنطق تتوالى المشاهد مبقية الأذهان منشغلة والطاقات مهدورة في الخوض تحليلاً وتفسيراً -فيما لا ناقة لنا فيه- بعيداً عن كل ذي قيمة حقيقية متجاهلين ما يحدث فعلياً على أرض الواقع و انعكاساته على مسيرتنا وتفاقم مخاطره علينا.. على كينونتنا ومستقبل أجيالنا؛ فاللافت في كل هذه الأحداث -والتي يربطها كعامل مشترك يجمع أحد عناصرها أو أكثر من الشخوص الضالعين فيها- هو غياب الوازع و الرادع الفطري النابع إما من التعاليم الدينية، القيم الأخلاقية أو المثل الانسانية العليا نتيجة تراكمات لسنوات من التراخي والتهاون في تحييد الغزو الفكري متعدد المصادر لأجيالنا وعدم انتقاء المناسب لمنظومتنا الأخلاقية المجتمعية والدينية ونبذ ما يتعارض مع مبادئنا السامية وقيمنا المتوارثة العريقة مما أدى لظهور العديد من المعضلات المتفاقمة التي زعزعت الكثير من المبادئ و المفاهيم السوية في أجيالنا الشبابية وأدت لمظاهر سلبية متعددة من أهمها العنف بكافة أشكاله.

فما بين ازدياد معدلات الفقر.. قلة فرص العمل و انتشار البطالة خُلقت بيئة خصبة للجهل وقلة الوعي بخطورة تفاقم الضغوط النفسية الناتجة عن الاحساس بالضعف التهميش والدنيوية وتأثيراتها على سلوك الأفراد وتوجهاتهم، فبالتالي ارتفعت معدلات العنف الجسدي والنفسي الممارس ضد الآخرين ضمن نطاق الأسرة و المجتمع (وبالأخص ضد الحلقات الأضعف كالنساء الأطفال وذوي الاحتياجات الخاصة)، بالاضافة لازدياد الانخراط في الجرائم وأعمال «البلطجة»، التوجة نحو التعاطي والاتجار بالمخدرات والممنوعات المختلفة وغيرها من الأساليب للتعويض عن احساس النقص الذاتي أو المجتمعي الذي يتعايش معه هؤلاء الأفراد.. مع الأخذ بعين الاعتبار أنه وبالمقابل نجد أن هناك فئات من واقع مغاير تمامًا بعيداً عن الفقر والجهل تحكمهم نفس الضغوطات النفسية ونتائجها السلبية نتيجة الطموحات النرجسية المرضية... حب السيطرة والهيمنة.. السعي وراء السلطة والكسب غير المشروع بمبدأ الاستحقاق المطلق و"أنا ومن بعدي الطوفان».

لقد شهدت السنوات الأخيرة عالمياً ارتفاعًا ملحوظاً في معدلات العنف والجرائم المتعلقة به بين الشباب (سواء كمجرمين أو ضحايا) وقد يعزى ذلك إلى ما مر به العالم من جوائح و حروب أوجدت عواقبها العديد من الاختلالات النفسية و العقلية المختلفة مع ما ساهمت فيه وسائل الاعلام العالمي في حمى السبق الصحفي من نقل كل شاردة و واردة مُوثقة بالبث الحي والتسجيلات المصورة أحداث القتل.. التعذيب والتدمير... حتى أصبحت بالتكرار المفرط أموراً اعتيادية و مشاهد أحياناً عابرة لا تحرك ساكناً أو تعاطفاً في النفس البشرية. عدا عن عقود من الزمن سبقت ذلك من توجهات السينما العالمية و العربية لانتاج أعمال تروج لمفاهيم مسمومة ملوثة لعقول الفئات الشبابية وخلق أبطال منعمين أمامهم من حثالات مجتمعية تروج للعنف..

التعاطي.. والانحلال الأخلاقي بأساليب متنوعة تحت مسمى صناعة الإثارة والتشويق. بالاضافة لما أتاحه الفضاء الإلكتروني من زيادة انتشار وترويج لكل ما سبق ذكره وفتح منصات ومنابر تُسنح الفرص لكل من شاء طرح وبث مختلف الأفكار سواء السلبية أو الايجابية، أيضاً اتساع رقعه السوق العالمي للألعاب الاكترونية وتعزيز تطبيقاتها سهلة الاستخدام على الأجهزة الذكية واستهدافها للفئة الشبابية الناشئة بألعاب تقوم بالأساس على فكر الغزو الحربي.. السطو والفوز بسفك الدماء والقتل مما يرسخ في العقل الباطن لدى مستخدميها الادمان اللاواعي للعنف والناتج عن متعة الانتصار المبني على النهج المجرم اللاإنساني في هذه الألعاب الالكترونية.

إن مواجهة كل هذه المخاطر وغيرها من مسببات التلوث الفكري و معززات الانحرافات الأخلاقية للأجيال الشبابية الناشئة ليس بالأمر الهين أو ضمن القدرات الطبيعية المتاحة بيسر وسهولة لأي منظومة مسؤولة في أي من دول العالم. فإن مجابهة هذه المسببات تحتاج لجهود كبيرة جبارة على عدة أصعدة ومستويات مختلفة للحد من تأثيراتها وأضرارها بدءاً بالعودة لمفاهيم التربية السوية.. الترابط الأسري والمسؤولية المجتمعية لتعزيز مبادئها وتطبيقها ومن ثم التوجه نحو إعادة مناهج التعليم الإلزامي والعالي وتطويرها بما يتناسب مع متطلبات واقعنا ومجتمعاتنا بالإضافة العمل على توسيع الأطر الثقافية بدعم الشباب للانخراط في مساقات تدريبية في مراحل مختلفة من حياتهم تعنى بالتأهيل الذاتي والمجتمعي كدورات إدارة الذات، إدارة الغضب، فن الحوار، فض النزاعات والدبلوماسية في حل المشكلات وغيرها من البرامج التي تسهم في إعداد شخصيات متوازنه بناءة فاعلة في المجتمع. أيضاً العمل على ايجاد حلول اقتصادية فعلية مثمرة على أرض الواقع تمكن الشباب في مجال التوظيف والكسب المشروع مما يحتويهم بعيداً عن مخاطر الانزلاق في عالم الانحراف والجريمة وأخيراً وليس آخراً إعادة النظر في بعض القوانين التي قد لا تكون رادعة بما فيه الكفاية اتجاه العنف و ممارساته المختلفة وتحديث العقوبات وتغليظها بما يتناسب مع المستجدات العصرية.

العنف بأشكاله.. ظاهره متصاعدة عالمياً لا أحد منا بمنأى عنها.. و عن نتائجها المدمرة.. فكم من سؤال ما زال يحلق في مداراتنا... بأي ذنب قتلت..! بأي ذنب أوصاله قطعت.. بأي ذنب.. تشوه وتشوهت؟! بأي ذنب.. للتنمر تعرض وتعرضت! بأي ذنب.. للانتحار دفع ودفعت؟ بأي ذنب قلوب أمهات وآباء ثكلت! زوجات ترملت وأسر بلا معيل بقيت! نحن بحاجة لصرخة وعي مدوية توقظ السبات العميق المنغمس في سياسة تسويف وتسخيف مخاطر العنف والتصاعد المطرد لوتيرته خاصة في الآونة الأخيرة والعمل جميعاً بشكل تعاضدي متكاتف بقوة نحو حماية مجتمعاتنا من براثن التوغل في العنف وعواقبه تحقيقاً للسلم المجتمعي نحو واقع أفضل لأجيال المستقبل.

و الله دوماً من وراء القصد

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress