على مشارف الصيف الذي جاء هذا العام مختلفا تماماً عما كان عليه في اعوام سبقت، حيث النسمات الباردة قد غلفت اجتيازه والحياة تعود قريبة مما اعتدنا عليه في أعوام بعيدة، كنا نستاف فيها الجلسات العائلية بكثير من البهجة والسعادة والحارات يعود اليها الغلمان الذين باعدت كورونا بينهم وبين طائراتهم الورقيه والعابهم التي لا ترتبط كثيرا بمحادثاتهم الافتراضيه مع اقرانهم في اوطان بعيدة، وربما يعودون الى اماكنهم لتشجيع فريق هنا وفريق هناك. صيف مختلف هذا العام يرسم وطنا عشقناه في سنوات كنا نفترش الارض ونلتحف السماء على نواص? الشوارع الطويلة، التي تصل العاصمة بالمدن المليئة بالماء والشجر، يعود البائعون في كل زاوية يعرضون ما تنتجه بساتينهم من فواكه الصيف اللذيذة ويبدأ هذا الاخضر الشهي «البطيخ» يباع للمارة عالسكين، ليكون بامتياز فاكهة الصيف الاكثر انتشاراً وتفضيلا في بيوت الاردنيين بكافة طبقاتهم.
وتدور دورة الحياة ليكون المشهد بجمال الصيف الذي بات يحمل في الزمان عشق الامكنة، ويلزم العائلات في كافة انحاء المملكة المشاركة في مهرجان يعقد دون تخطيط من أحد، فهناك من يذهب إلى حواف السيول وفي أطراف البحيرات الصغيرة، وهناك من يستأجر مكانا لعائلة او مجموعة، والهدف في كل تلك الفعاليات هو استجمام وسعادة، ورسم خارطة الوطن بجمال الروح، كثيرون يأتون في اول السطر يرسمون الابتسامة هنا وهناك كقصيدة موزونة وكلمات متفردة، والبعض يأتي في اخر السطر محاولا تبشيع الصورة، لكنها الأمكنة وحدها، ترفض ان تستسلم في وجه العابسي?، ويبقى الوطن الامكنة والناس وما يصير بينهما، في صيف يأتي ليعطي ما ادخره الربيع ويلفظ ما تبقى من جمال في خريف ينبئ بشتاء آخر.
دورة الحياة تستمر وتستمر معها الأمكنة ذاتها في بانوراما ساحرة، يكون فيها الانسان وحده هو البطل الذي يلعب كل الادوار، والوطن يعيش متغلغلا في الذاكرة، التي يصير التفاعل بينهما تناغما ومناجاة. وطني ربما يختلف عن غيره من الاوطان القريبة والبعيدة، يكون حيا مختلفا يستمرئ السعادة التي ينشدها الناس، فيعطي لاجل استرخائهم، ووجدهم والرفاه الذي ينشدونه، ولكن ما يجعل المشهد يعج بالانتكاسات، هو ذاك الذي يرسم صورة قاتمة ليومك بتدخله السافر، حيث لا يفرق بين الشخصي والعام فيحاول أن يقتل نجاحاً، أو يسد في وجهك سعادة تستعيده? من الحياة وحدك، وتضعها في المجاميع التي ينهل منها الجميع.
ما أجمل الشمس حين تشرق في الصيف الذي بدأ للتو. وما أجملها حين تغرب فوق الانهار والجبال، وكيف لنا أن ندفع اعتداء وتجني الاخرين، حين يعتقدون أنهم قادرون أن يزحزحوا من إصرارنا على السعادة في ردهات بيوتنا، وعلى النواصي التي شكلت في وجداننا وطنا.
يا سيدة الجبال أيتها العاصمة التي تحمل في وجدانها تلك التلال وهذه الأودية والحوريات هناك أقمن آلاف السنين، والقلعة التي تقف قبالة المسرح وكأنها تمثل الجمهور الذي اتى للتو ليحضر إحدى مسرحيات شكسبير، والطريق الطويل الذي غطى سيل رأس العين..
والفتية ما زالت قبوهم في الرقيم وكلبهم باسط يديه في الوسيط.
عمان سيدة العواصم لا تتراجع قيد عضيد للقدس، التي تنادي من السفوح الغربية لتكون توأماً ومنارة.
وطني توأم فلسطين حين خبت المنارات وانطفأ السامر واشتعلت في الحقول المجاورة الحرائق فجاء الاحبة يحتمون بهذا الحمى وصار لهم حين اقفلت بيادرهم هذه الأرض وطناً آخر..
يا أرضنا هنيئاً لنا حين يمس الذاهبون هواءنا فيشتعل في بيارقهم الحب ويتندى في روحهم القرب والطمأنينه.
يأتي الصيف إذن على مفارق الروح الملأى بالألق والحيوية والطاقة والحياة.