محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

»كتاب الذاهبين« لرائد وحش والمصير المحتم

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
راضية ريش كاتبة جزائرية

خصص الكاتب الفلسطيني رائد وحش مجموعته «كتاب الذاهبين» (منشورات المتوسط ميلانو/ ضمن مشروع براءات، 2022) لأكثر الحتميات جدلا، حتمية «الموت» باعتباره قضية وجودية متعددة الجوانب والأوجه، وكان بارعا في اختياره للقصيدة للتعبير عن ذلك بعمق الفيلسوف، فقد كان مارتن هايدجر واحدا من كبار الفلاسفة الذين تناولوا أهمية الشعر في الإفصاح عن معنى الوجود، فالموت أصل الأشياء وخلاصها وهو المبتدأ والمنتهى، كل ما يولد يأتي منه مثلما تمضي إليه، فما هو الموت حقا؟

بدأ الكاتب كتابه بتحقيق استقصائي حول الريح كدلالة على الزوال الذي يجسده وطاقة إيحائية منه بعدم قدرتنا على التحكم فيه، فلا أحد قادر على قراءته أو فهمه، ومن هنا يتجلى لنا أنه لا يوجد مخلوق يمكنه التحكم في مصيره المحتوم، فهي:

ليست كتابا وإلا لمَ لمْ يأت قراؤها؟

ليست طعاما وإلا لمَ لمْ يلتهمها الجوعى؟

ليست مسرحا وإلا لمَ لمْ نقوَ يوما على الرقص فوقها؟

هي البرهان

لم ترفع السماء أكتافها

فالسماء وكذلك الأرض ونحن

ظلال تحتها

هي الميزان

مأمن أشياء تعادلها في الموازين...

مصير لا مفر ولا فكاك منه، فقد سعى جلجامش لتحدي مصير البشر «الموت» برحلة البحث عن الخلود. وعندما وصل لأوتونبشتم الخالد، أراد الأخير جعل جلجامش يدرك معنى أن «المصير» لا يمكن تجنبه. لذا تحداه بأن لا ينام ستة أيام وسبع ليالٍ، فإذا تحقق ذلك، أمكنه التغلب على المصير. ولكن جلجامش نام وخسر التحدي ليدرك حتمية القدر.

قوة البلاغة التي صاغها رائد وحش في تشبيهاته تزيد المعنى عمقا والقصيدة صلابة، فقد شبه الموت بحجر واعتبره انبثاقا من حجر آخر.. نولد من حجر ونموت في آخر.. تلد الحجارة موتا.. فالموت ليس مجرد نهاية، وعلينا أن نتذكر أن ولادتنا جاءت من الموت، فقد قال فراس السواح، المفكر والباحث السوري في الميثولوجيا وتاريخ الأديان: «ظهر الوجود من لجة العماء بالقتل، وبدأت حياة الإنسان بالقتل، الحياة تتغذى على الموت والموت يتغذى على الحياة... الموت تجلى في الوجود في ذات الوقت الذي اكتشف فيه الإنسان الفعل الجنسي لابتكار الحياة».

وهذا يحيلنا إلى الفيلسوف الألماني هايدجر، فمن يقينياته أننا «جئنا لنموت»، فإن «الوجود هنا (Dasein) هو ذاك التمثل الذي يتجلى للبشر من خلال وجودهم، كمقذوف بهم «هنا»، أو كموجودين هنا، أي في الكون، ليقتربوا من أكبر سؤال وجودي يُطرح عليهم، والمتعلق بوجودهم ومعناه وموتهم، فالإنسان كان موجها صوب الموت، فمهما طال فموطنه الأصلي هو الموت. (ميتافيزيقا الموت في قصيدة «يا بنيتي» في مقال لحميد لشهب نُشر على منصة «حكمة» بتاريخ 2015/7/28).

رغم الصفحات القليلة استطاع رائد وحش بكلماته المنتقاة ولغته العذبة البليغة أن يغوص عميقا في فلسفية الموت، عبر رحلة تقصٍّ عنه وعن الحياة، عن تشكيل كينونتنا البشرية من خلال أفكارنا ومعتقداتنا، فالإنسان بما تم تشكيله به:

"أنسيت العلامات الكاذبة التي نشأنا عليها؟

لا تترك المقص مفتوحا، لكيلا تنهال المصائب على العائلة.

إياك وتقليم أظافرك ليلا، فتخرج الجنّ من تحتها.

إن خرجت بنية، لا تعد حتى لو تذكرت إناء لا يزال على النار، لئلا يتلاشى التوفيق».

مزج الكاتب الشعر بالنص السردي فاستخلص مزيجا عرف كيف يجذب القارئ إليه، فمنحنا متعة القراءة وفسحة للتفكير العميق، فالحجم ليس مقياسا للجودة بل بما تحويه الصفحات وما تفصح عنه الكلمات وتكتمه في آن واحد، كان ذكيا في استخدامه للاستعارات واختياره للبداية فكتب فيها: «سكان القرن الحادي والعشرين، كما سكان القرون كلها

أبناء أيوب

أكثر من كونهم أبناء آدم!"

إشارة منه إلى اشتراكنا في الابتلاء وقدرة التحمل، «الصبر» مفتاح مواجهة المصاعب وتذليلها.

وعن المنفى كتب: «رحلة تكتبها أجسادنا. فينا من يرونه جائزة، فيقتلون الماضي، وفينا من يعدونه عقابا، فيعدمون الحاضر. لا هو بداية ولا نهاية، لا نسيان ولا ذاكرة، بمقدار كونه إضافة عيون إلى عيوننا، وأيدٍ إلى أيادينا، ليكون لنا أن نرى الخسارة، ونلمسها، ليكون لنا حملها بطاقة هوية». كما كتب أيضا عن لقاءاته -المنفى- بتخصيص باب خاص لها وحدها، عَنْونَها بـ"الشتاء وقت العلامة.. قصيدة حِوارية مع الشاعر الأردني الراحل أمجد ناصر» حيث جاء فيها: «قابلت فيك أول شيخوختي، قابلت فيك آخر شبابي. تفعل اللقاءات ذلك دوما، وتجعل البش? مرايا، ما دامت تحدث في شتاء قاس.. يحضر الموت ويغيب الرفيق، تستنطق الذكريات وتَسكن الأماكن، الوطن وحنينه، المنفى ومرارته، غياب الأحبة وقسوته كلها حاضرة بألم واضح، بين عناق وآخر، أرى وجهه أصغر من عمره عند الاعتقال، لكن خطَّين من الشيب يلونان صدغيه، يبدوان رسالة، تقول لكل من يهمهم أمر الغائب: لا تقبلوا توقف الزمن على وجه من تحبون عند الاختفاء، ولا حتى عند الموت».

لم نُشر ولو بشكل مقتضب لسيرة رائد وحش أو مقتطفات منها وذلك قناعة منا أن شعره فعل ذلك كما يقول الشاعر المكسيكي أوكتافيو باث: «ليس للشعراء من سير، أشعارهم هي سيرتهم الذاتية».

الكتاب الذي يبدو أنه انتهى لم ينته، سيظل يروي قصته طائرا من قارئ إلى آخر، لا سيما بعد إتاحته على المنصات الالكترونية، والشائع اليوم أن يترك من يقرؤه تعليقا، تحت المنشور الرئيس، إلى أن غدا اسمه السائر بين الناس: «كتاب الذاهبين»، الذي حمل في داخله المتضادات: الحياة، الموت، الصحة، المرض، الحضور الغياب والمنفى، فهل سيحمل معه في قادم الأيام كتابا للعائدين؟

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress