محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

مجموعة »خبز محلّى بالسكّر« مثالاً

العنوان القصصي وتأثير البيئة

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
د.مولود مرعي الويس (ناقد عراقي)

تنشر البيئة بمعانيها المختلفة تأثيراتها الكبيرة على الإبداع عموماً وخاصة الفنون الأدبية وفي مقدمتها السرد القصصي، لأن هذا السرد القصصي المعتمد أساساً على الحكاية هو الأكثر تأثراً بالبيئة التي تعتبر موجهاً مهما من موجهات بناء الحكاية.

وتحتشد قصص (خبز محلّى بالسكّر) للقاص والشاعر والمترجم حسن سليفاني بالمعاني والدلالات المتعلقة بالبيئة المكانية والزمانية، وهذا العنوان الذي أخذه القاص من إحدى قصص المجموعة (خبر محلّى بالسكر) يدل على صورة اجتماعية ريفية تشتهر بهذا النوع من الخبز، والعنوان هنا يدل بالدرجة الأولى على حالة الفقر في هذه البيئة حين يكون هذا النوع من الخبز المحلّى بالسكر ذا قيمة غذائية، تعوّض لناس هذه البيئة ما يفتقدونه من أنواع أخرى من الأطعمة تسدّ رمقهم في الحياة، وتبدو تأثيرات البيئة هنا في هذا العنوان وفي كل عناوين قصص المجمو?ة بشكل أو آخر، وسنحاول قراءة عنوانات قصص المجموعة على هذا الأساس.

تبدأ القصص بقصة عنوانها (بلون البحر ستكون)، حيث يعمل عنوان القصة هنا عمل الحلم، على اعتبار أن البيئة العراقية والكردستانية عموماً تفتقد وجود البحر في أراضيها فيصبح التشبه بلون البحر نوعاً من المجاز أو الحلم، والعنوان هنا يبعث أملاً على أن الشخص الذي يتوجه إليه خطاب العنوان سيكون بلون البحر، ومن خلال الاطلاع على متن القصة سنعرف القيمة الدلالية التي يريد عنوان القصة تثبيتها دلالياً، على مستوى حضور شكل من أشكال البيئة أو قيمها المكانية أو الزمانية بين العنوان والمتن القصصي.

يهدي القاص قصته المعنونة (أجل يا أجان شهدت القيامة) بعنوانها السردي الحواري (إلى الناجية الأيزيدية زينة إسماعيل خديدا)، بمعنى أن القصة تتحدث كما هو واضح عن أحداث داعش وسبي النساء الإيزيديات الظالم، وهذه الشخصية (زينة إسماعيل خديدا) إحدى الناجيات من مخالب داعش، وعنوان القصة هنا يشير إلى هذه المأساة الإنسانية الكبيرة، والعنوان طبعا على هذا الأساس له علاقة بالبيئة، إذ إن النساء الإيزيديات ينتمين إلى مكان محلي هو (سنجار)، وهذا المكان شهد أحداثا عنيفة ويقع على حافة إقليم كردستان العراق ومن المناطق المتنازع عليه? كما يسمونها بحيث لها صبغة اجتماعية خاصة، بالمعنى الذي يجعل من عنوان القصة له علاقة بالبيئة وظروفها القاسية إثر احتلال داعش الإرهابي لها.

وينتمي عنوان قصة (ثلاث أوراق من شجرة بنت الديك) إلى البيئة الكردستانية في العراق انتماء واضحاً، ولعل الدخول إلى أجواء المتن القصصي يوضح هذا الفضاء العنواني البيئي والمحلي بصورة حقيقية، أما عنوان قصة (خبز محلّى بالسكّر) فهو كما أشرنا في المقدمة يحيل على فضاء بيئي محلي أيضاً، ويصوّر حالة اجتماعية وثقافية محلية على مستوى ثقافة الأطعمة التي تنتمي إلى فقر المكان المادي وغناه الطبيعي الزراعي.

عنوان قصة (ساعة في حضرة طبيب السعادة) يعالج قضية خاصة وهو يجمع بين الزمن والمكان والحالة السردية في بنية واحدة، أما عنوان قصة (الشيخ والثلج) وهي قصة (مستوحاة من أسطورة كردية) فإن عنصر البيئة أصيل فيها، والعنوان تعاطفي يجمع بين شخصية (الشيخ) وحالة (الثلج) التي لها علاقة وثيقة بالبيئة الكردستانية، وتعبر القصة بمجملها اعتماداً على عتبة العنوان عن حكاية ذات مرجعية أسطورية كردية لها خصوصية عميقة على مستوى الدلالة والقيمة الاعتبارية.

يمثل عنوان قصة (ليلة المطر) صورة من صور البيئة التي تتكرر فيها هذه الليلة كثيراً، بما تحمله من ذكريات وتجارب وأحداث تجعل مسارات القصة تتحرك ضمن هذا السياق بحيث يكون المطر علامة فاعلة في تشكيل القصة، ليكون العنوان أصيلاً في بناء الحدث القصصي ضمن مشروع تكويني سردي عام. أما عنوان قصة (من دفتر الانتفاضة) فهو الآخر يخص البيئة الكردستانية ليكون العنوان ذا طابع سياسي أو نضالي، يحكي جزءاً من انتفاضة الشعب الكردي على شكل قصة يوحي عنوانها بالمضمون أو المحتوى بشكل واضح.

أما عنوان قصة (زه ري) فيعتمد على (اسم طفلة كردية بريئة) تكون هي بطلة القصة، ويأتي العنوان ممثلاً للبيئة المتعلقة بنوعية لغة الاسم العائدة على اللغة الكردية، بحيث تتكون لدى القارئ مباشرة فكرة عن موضوع القصة ومنهجها وطريقتها في التعبير عن تجربتها، وهذه وظيفة مهمة من وظائف العنوان القصصي.

تنتمي قصة (احتفال العصافير) في عتبة عنوانها على هذه البيئة التي يحاول القاص أن يرسم معالمها في معظم هذه القصص، حيث تكثر العصافير في هذه البيئة ذات الطبيعة المفتوحة والحرّة وتسمح للعصافير بإقامة احتفالات متكررة لها في مواسم كثيرة، وقد يكون عنوان قصة (غدا يبتسم الربيع) يعمل في هذا السياق نفسه، إذ نجد فصل الربيع في هذه البيئة وربما في أوقات محددة لها علاقة بحدث القصة مبتسماً، وكذلك عنوان قصة (القبض على حلم آذاري) المتعلق بالطبيعة حين يكون شهر آذار أشبه بالحلم في حركيته وربيعيته، لتكون الحادثة القصصية منبثقة م? حيوية البيئة في قدرتها على التعبير عن الحكاية.

تنحو قصة (زمن الدجل) في عنوانها التضايفي نحواً اجتماعياً يكشف عن جوانب سلبية في حياة المجتمع، حيث يوصف الزمن كله بهذا الوصف (زمن الدجل) بمعنى ضياع الحقيقة والانتصار للسلوك الشائن الذي تريد القصة كشفه، ويأتي العنوان إعلاناً مباشراً لا يحتاج إلى تأويل من أجل تكريس الرؤية القصصية اعتبارا من عتبة العنوان.

وتعتمد قصة (رحيل شامخ) على عتبة عنوانية نعتية يأتي فيها الموصوف نكرة (رحيل) دالا على نهاية ما، تعقبها الصفة (شامخ) لتحويل هذا الرحيل إلى بطولة تشتهر فيها بيئة القص بشخصياته وأحداثه وحكاياته على مرّ الزمن، في حين تعتمد قصة (صبي الثلج) في تشكيلها العنواني على بنية التضايف في إضافة مفردة (صبي) إلى (الثلج) تعبيراً عن طبيعة البيئة أيضاً، وتنفرد قصة (زيارة) بعنونة مفردة نكرة تضمر مكاناً وزماناً وحدثاً قصصياً يعود في مرجعياته على البيئة الاجتماعية في توكيد ثقافة الزيارة، بينما تقوم العنونة في قصة (الإبريق) على مف?د معرفة تمثل أيضاً مرجعية اجتماعية في استخدام هذه الوسيلة المعروفة، وهي تحتوي على الماء الذي يمكن أن تعدّ فيه أشياء كثيرة بحسب طبيعة الحدث المرفق والمستجيب لحالة العنونة القصصية وتفاصيلها.

ثمة قصتان في هذه المجموعة ترد في عنوانهما لفظة (القلب) كدليل على الطبيعة الرومانسية التي تتمتع بها القصتان، القصة الأولى بعنوان (قطار القلب) في بنية تضايفية تجعل من القلب محطة لهذا القطار القادم والذاهب في آن معاً، في حين تأتي القصة الأخرى بعنوان (هي والقلب) في بنية تعاطفية بين شخصية أنثوية بدلالة الضمير (هي)، ولفظة القلب المعطوفة عليها لمنحها هذه القوة الرومانسية التي تعطيها انتماءً واضحاً إلى البيئة القصصية، بحيث يظهر دال (القلب) متعدد الدلالات بحسب المتن السردي الذي تقدمه كل من القصتين ضمن حدود الاستجاب? للعنوان القصصي.

يقوم عنوان قصة (هيهات) على اسم فعل ماضٍ بمعنى بَعُدَ أي شتّان بين شيء وشيء آخر، بما يجعل متن القصة ابتداء من عتبة عنوانها ينهض على طرفين من حيث انتماء المعنى إلى البيئة اللغوية التي تكثر من استخدام هذه اللفظة، والعنوان يختصر كثيراً من الكلام ويمكن تأويله على عدد كبير من التأويلات المناسبة، أما قصة (من تكون) فتحمل عنواناً ذا طبيعة استفهامية يفترض وجود طرفين، طرف يروي الكلام وطرف آخر هو المقصود بمعنى الكلام في صياغة أسلوبية تجعل من عنوان القصة مفتوحا على عدد كبير من المعاني والدلالات، في حساسية سردية تجعل من?العنوان حاملا لطاقة سردية كبيرة لها تأثير في عملية التلقي من خلال التفسير والتأويل.

إن قصص القاص حسن سليفاني في مجموعته هذه الصادرة عن دار نون للطباعة والنشر والتوزيع بالموصل (2020)، حملت مجموعة كبيرة من العناوين المختلفة، وبالنظر لعلاقة العنوان القصصي بمتن كل قصة وجدنا أن المرجيعة الاجتماعية والمكانية والطبيعية بما يمكن وصفه بالبيئة كان له الأثر الفاعل في الصياغة والتكوين، على النحو الذي يقودنا إلى استنتاج مفاده أن هذه القصص بشكلها ومضمونها وأسلوبها تنتمي إلى المكان انتماء كلياً وحاسماً.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress