بِتواطُئٍ غيرُ نزيه، وبتكاذبٍ عجيب، ينتصرُ اليَأسُ، في حياة الناسِ العاديين، عند التساؤل عن الأحوال، فيجري اطمئنانٌ، وتَطامُنٌ، باختصارٍ يخالطه تهكّمٍ خبيث:
«_ كِيف الحَال..؟
_ مَاشِي الحال..!».
بُسطاءٌ نحنُ، تخدعنا الحياةُ، فنَنخدع؛ بسطاءٌ نَجزمُ، في كلِّ شيء، حتى في أقدارنا ومقاديرنا، وقَسوةِ أحوالنا. ففي حياةٍ ليس فيها سوى الضَّجر، يتلهّى البسطاءُ بضجرهم، ويعيدون ترتيبه، مرّاتٍ ومرّات. وبالنوم، الذي يشبه الموت، يتغلّبون على الرتابة. وبالصحو يتمّ تأجيل الملل، إلى وقت آخر، هُم متأكدون انّه قادم.
على الرغم من كلّ قَسوة، تبقى الحياة بلا أملٍ مستنقعا كبيراً، أيّاً كان تفسير الأفراد لمآلاتها. فثمّة طاقة خفيّة، تحملها الأحلام، ما إن تنجح في التوافر على ظروف تحوّلها إلى اجتراح معجزة خلقٍ أو إبداع، حتى تمنح الحياة، بما هي يقظة وواقع، ذروة أخرى، وفضاءً أوسع، تُمكّنها من تخطّي ذاتها، بصرف النظر عن ملهاتها أو مأساتها. أقولُ هذا، وأنا أعلمُ أنّ الانهيارات الاقتصادية، وحالات البؤس المتفاقم، في العديد من مناطق العالم، والأمراض والأوبئة، التي تداهم البشر، بين فينة وأخرى، وكوارث الطبيعة، بوتيرتها ومخاطرها المتزايدة، إضافة إلى التهديدات المختلفة التي يواجهها البشر، كلّها تدعو إلى التشاؤم واليأس. بل ويكفي المرء مجرد قراءة أية صحيفة يومية، أو مشاهدة أية محطة فضائية، كي يصل إلى الإحساس بأنه محاصر باليأس من كلّ صوب.
ومن الطبيعي، والحالة هذه، أن تتعاظم ظاهرة «تزايد البحث عن الأمل»، عند الناس. وهي ظاهرة تتراكم فيها أسئلة الأمل الصعبة، في عصرٍ كلّه قلق؛ حول كيفية إحياء الأمل في النفوس؛ وكيفية مساعدة الأمل للبشر المنهكين في تحقيق أهدافهم؟ وكيف يمكن أن تتحسّن به علاقات الناس بعضهم ببعض؟ وهل يمكن للأمل أن يساعد في تسهيل احتمال الصدمات والأمراض؟ وهل هنالك علاقة بين الأمل وبين الأبعاد الروحية عند الناس، بصرف النظر عن معتقداتهم؟
«ليس بالإمكان أفضل مما كان»؛ هذا ما كان يقوله الفيلسوف الشهير «لايبنز». غير أنّ الأمل له تاريخ أطول مما يعتقد البعض، بدءاً من الفلسفات اليونانية القديمة، وصولاً إلى العديد من المعتقدات القديمة والحالية. فهو الذي يمنح، في أحيان كثيرة، معنىً للأشياء، أو يوفّر الفرصة كي يكون هناك معنى للحياة. وهنا تتطاول قامةُ المعنى، في الشعر العربي القديم: ».. ما أضيق العيش لولا فسحة الأمل». وبهذا المعنى، يتحوّل الأمل إلى مزيج قادرٍ على الاستجابة لمكوّنات النفس الإنسانية، وإلى العلاج الأنجع، من أجل التغلّب على «مشاعر الاغتراب والعجز والخوف».
لا شكّ أن هناك فرقا كبيراً بين الأمل وبين الوهم. فالأمل الحقيقي يتّسم بطبيعة فاعلة، تُمكّنه من أن «يشكّل بديلاً لحالة التشكك والألم» والخُسران، التي تخلقها ظروف الحياة وأحداثها. وبهذا المعنى أيضاً، لا يتأتّى الأمل المرجو من التفاؤل الأعمى، أو من الأوهام الخادعة، بل من الرغبة الأكثر عمقا وتجذّرا في الإنسانية، وهو التوقُ الدائم بـ«إمكانية تصوّر مستقبل أفضل». أي أن الأمل، الذي يحمل هذا المعنى، ويجسّد هذه الوظيفة، لا يمكن له أن يكون «زائفا أو مزيّفا»، بما يجعله قوة أساسية وضرورية في كلّ عصر، وبالذات في عصر القلق، الذي نعيشه حالياً.
للفرح غريزته، عند الناس. والحزن أيضا كذلك. وللفطرة والفضول والأحلام والأوهام بهجتها. غير أن «الواقع دائما صفّاع». وصارمٌ وحَاسمٌ «كحسم الغزاة». وقادر، بقوة وقسوة، على كسر الأحلام والأمل والفرح والبهجة، والأفكار أيضا.
ما أضيقَ العيش لولا فسحة الأمل؛ هكذا قيلَ قديماً، وهذا ما ينبغي التأكيد الدائم على حضوره، في نفوس المحرومين والمَسحوقين، كَي تبقى عبارة التَطامُن اليوميّ الخادعة «مَاشِي الحَال..»، في ثقافتنا الشعبية، تحمل في نفوسنا بعضاً من أمل.
fafieh@yahoo.com