محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

»الحاسّة صفر« وأنسنة التجربة النضالية

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
حسن عبادي (كاتب فلسطيني)

أوّل ما قرأت للشاعر الرِّوائي أحمد أبو سليم كانت هذه الرواية، رواية «الحاسَّة صفر» الصادرة عن منشورات ضفاف اللبنانيّة ومنشورات الاختلاف الجزائريّة ومكتبة كل شيء الحيفاويّة الفلسطينية، وناقشناها في حيفا عام 2014؛ وقرأت له بعدها «ذئاب منويَّة» و"كوانتوم» و"يس"؛ ثم قرأت «الحاسة صفر» ثانيةً مؤخراً؛ وجاءت قراءتها مختلفة هذه المرة، فهل هذا مرتبط بنظريّة التلقّي الألمانيّة «إنّ قراءة نصّ واحد في زمنين مختلفين من القارئ نفسه تؤدّي إلى قراءتين مختلفتين»، أم إنه مرتبط بقراءاتي لباقي إصدارات الكاتب؟

تناولت «الحاسَّة صفر» تجربة المقاومة الفلسطينيَّة في لبنان، وقد حطَّم أبو سليم من خلالها التابوهات، وأنسن التَّجربة النِّضاليَّة الفلسطينيَّة ونزع القناع عن هالتها وقدسيّتها.

وجاء الكاتب في رواية «ذئاب منويَّة» ليُعرّي الواقع والإنسان العربي، حيث أَصبحت الذِّئْبويّة هي القيمة الَّتي يحملها الإنسان في داخله، يتصيّد الفرص ليهمِّش الجمال ويُهشّمه ليقلب المفاهيم والمعتقدات رأساً على عقب.

ووصل أبو سليم في «كوانتوم» إلى القدس التي تحوّلت إلى رمزٍ خطابيّ يتغنّى به الجميع رغم أنّها تتآكل، شوارعُها تغترب، بيوتها تفقد هُوِيَّتَها وأهلَها، والكلّ نيام، وخوفي أن نصحو من سُباتِنا ونجدها في مخيّلاتنا فقط. فقد قام الاحتلال بتغيير معالِمها، وهدم الكثير من بيوتها وأماكنها.

وحفر الكاتب في روايته «يس» ليصل النكبة وما حولها؛ فوجدته مشروعاً متكاملاً وليس نزوة عابرة.

وتساءلت عندما رأيت «الحاسة صفر» للمرّة الأولى: ما هي «الحاسَّة صفر"؟ فوجدتها «هي الحاسَّة التي لازمتني منذ ولادتي. الحاسَّة صفر هي حاسَّة الخيبات والوجع الذي لا يتوقّف أبداً، هي الحاسَّة التي لا تصل إلى حقيقة قطّ، حاسة القلق والشكِّ والألم» (ص149).

يعرّي الكاتب المقاومة وسلبيّاتها ويؤنسنها ضارباً عرض الحائط بالمسلّمات والتابوهات المتكلّسة البغيضة التي أجهضت الثورة وما زالت؛ فيصرخ بصريح العبارة: «كلُّ شيء كان مباحاً، ليس ثمّة حدود ولا قواعد ولا قوانين، وإذا سقطْتَ داستك الأرجل الكثيرة التي لم تكن ترحم أحداً أبداً»، ويقول: «لا تقل لي إنّك تؤمن بأنّ فلسطين يمكن أن تتحرّر بالحجر، أو حتّى ببندقيّة الكلاشنكوف» (ص57).

يحاول أبو سليم تعرية «المقاومة والثورة» وتفكيك مركبّاتها بحِرَفيّة، يصوّر بحِرَفيّة سرقة الثورة، عمليّة سطو مُمأسسة. ويتحدّى التعذيب والموت ويهزمهما قائلاً: «الثّقة تعني الموت!.. الرّاحة.. الوقوف.. الانحياز.. الحياد.. السُّكوت.. الكلام.. والموت.. كلها تعني الموت!» (ص27)؛ «الموت أكثر رحمة من الأسر.. فكَّرت: الموت يعني أن تغمض عينيك لحظة، وتموت، أمّا الأسرُ فهو أن تبعث من الموت كلَّ لحظة لكي تموت»، وحين يقول: «الموت يعني أن تُغمضَ عينيك مرّة واحدة فقط، وتموت، أمّا العذاب فهو موت يوميٌّ لا يتوقَّف!»، وهذا ما ?سمعه يومياً من الأسرى الفلسطينيين خلف القضبان.

يصوّر الكاتب مخيّمات اللجوء وبنيتها التحتيّة: السقوف الواطئة، والأزقّة، والحارات، والأبواب المتهالكة، والنوافذ التي تشي بأسرار البيوت، والمجارير، والماء الآسن، والشعارات الثورية على الجدران، وملصقات الشهداء، والوجوه التي تضجُّ بالفقر والجوع والتعب والخوف، والذباب، والجرذان، والقطط، والكلاب الضّالة، والباعة المتجوّلون.. وكأنّي به يصف مخيم الوحدات أو بلاطة، مخيّم البقعة أو جنين؟ وطوابير المؤن! وما أشبه اليوم بالأمس.

ويتناول الروائي ازدواجية المعايير في المجتمع الدولي: «هنا إذن، على هذه الأرض، في هذه الطُّرقات والأزقّة تناثرت الجثث التي ملأت صورها الدنيا ولم تحرّك مشاعر أحدٍ في الكون"(ص62).

يتناول الكاتب استباحة جسد المرأة الفلسطينيّة، سواء كانت بنت شهيد أو أرملة شهيد، أو زوجة ثائر ومقاتل، وويل لتلك الثورة «التي أخرجت النساء من جحورهنَّ، وتركتهنَّ فريسة لكثير من الذئاب الذين كانوا يتربَّصون بهنَّ، ويعلنون عكس ما يُبطنون».

ويصوّر بجرأة قضيّة الاختراق الأمني المتفشيّة منذ القدم، بشتّى الطرق والوسائل، «كان يعرف أنّ الثورة مخترقة حتّى العظام». ويتحدث عن الخديعة والنفاق والغش، من البندقيّة التي زوّده بها عبد الحميد إلى زينب شقيقة أبو الفوز! كما يتناول ظواهر اجتماعيّة بغيضة ومقيتة؛ معاملة اليتيم/ ابن الشهيد من زوجة الأب أو من قبل المجتمع، وعمالة الأطفال واستغلالهم، وغيرها.

إن النكبة الفلسطينية مستمرة، من لجوء إلى آخر، من نزوح إلى آخر، من هزيمة إلى أخرى.. وها هي أم أحمد ترحل من تل الزعتر بعد استشهاد زوجها ومسح المخيّم عن الوجود لتهجّر من جديد.. إلى صبرا والبرج وشاتيلا.. «كم شهيداً راح ضحيَّة الماء!» ليبقى الفلسطيني مشروع موت، لاجئا أزليّا، متهما حتى تثبت براءته.

في أيام الزمن الجميل؛ «المتطوِّعون جاءوا بالآلاف من كلِّ أنحاء الأرض، وبيروت كانت تنزف دماً.. ومقاتلين»، لكن الثورة بيعت بأبخس الأثمان! وتُرك أصحاب القضية للكلاب تنهش لحمهم.

يحاول أبو سليم تعرية الهزيمة لتولد من رحمها الثورة والمقاومة، فالتجربة حارقة ومميتة، وقد سمّى الأمور بمسميّاتها، ويذهل القارئ من وعيه وتصويره لعنصريّة اليهودي كما جاء على لسان إدريس المغربيّ: «أنا لم أسمع ذات يوم يهوديّاً يهتف ضد فلسطينيّ... سمعت اليهوديَّ يهتف دائماً ضدّ العربي، وأنا شخصياً لم أسئ ذات يوم لليهود، لكنّني ذلك وجدتهم يناصبونني العداء» (ص133)؛ نعم يا أحمد، يكرهوننا لمجرّد كوننا عرباً، أسمعهم يصرخون في المظاهرات: «الموت للعرب»، يحاولون حذف وتهميش كلمة «فلسطيني» من قاموسهم، وهذه هي العنصريّة وا?فاشيّة بأمّ عينها.

استحضر الكاتب غسّان كنفاني بحرفيّة، حياً وقتيلاً/ شهيداً وإرثه الباقي، وغيابه الذي يزداد حضوراً وفعل الأمر نفسه مع جورج حبش. وهو يهزأ من اتفاقيَّات السَّلام: «ومنذ متى التزمت (إسرائيل) بالأعراف والمواثيق؟ منذ متى توقّفت عن القتل وسفك الدماء واحتلال الأرض وبناء المستوطنات؟ مصر أعادت سيناء، وخسرت مصر» (ص59). وكذلك الحال مع مفاوضات مدريد المقيتة ومرحلةَ السراب الأوسلَويّ.

راق لي استحضار قصيدة/ أغنية ليونيل ريتشي (ص198-199)، وجاءت لغة الكاتب شاعريّة، لكنّها خدمت النص من دون ابتذال، وهناك سيناريوهات لمشاهد مسرحيّة أو سينمائية، وعلى سبيل المثال افتراق البطل عن ليلى واللازمة «الآن عليك أن تجيب إن كنت تحبّني أم لا!"

ويلجأ الكاتب لأسلوب السخرية السوداء وجلد الذات فيُبدع: «كنت أقطف باقةً ممّا تبقَّى من الورود فوق الأشجار في حدائق البيوت المهجورة في الصباح، وأضعها في إناءٍ على الطاولة، وسط الصَّالة، لعلَّ أريجها يطرد رائحة الموت التي كانت تملأ المكان» (ص28)، «كانت رائحة الجثث المتحلِّلَة في صبرا وشاتيلا تعمي العيون وتزكم الأنوف وهي تطوف كلَّ أرجاء الأرض». ويصل ذروة سوداويّته حين يقول: «نضال ما عاد إلّا ذكرى، صورة شهيد معلّقة على الجدران»، وكذلك الأمر في: «لو قُدِّر لنساء المخيّم أن يعترفن بالحقيقة لشابت رؤوس الرّجال»، و"?جب يعتبر الأب غير الشَّرعي لكثير من أطفال المخيّم» (ص210).

أين ضاع التاريخ؟ وأيُّ يد لم تغتسل بالدم الفلسطيني بعد؟ حتى يد الفلسطيني ذاته جرّبت حظّها في دم الفلسطينيّ. علينا أن نناضل من الداخل ومن الخارج كلّ لحظة لكي نطهّر الثورة من أدرانها. «ربّما لو اعترفنا لكان بوسعنا أن نبدأ من الصَّفر، وأن نؤسّس لنظريّتنا الخاصة التي يمكن أن تؤهّلنا للحياة» (ص175).

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress