كتاب

لنا وللطير.. وللعشمان وللجُوعان

في برنامج «عَمار البِلاد» الوثائقي، تعلّمت أشياء كثيرة، ما كان لي أن أعرفها لولا وصولي، بمعية الفريق الفني، إلى كل ما هو ناءٍ في بلادنا الممتدة.

والبرنامج هو عمل، أنجزته مؤخراً، وأنتجته اللجنة العليا لمئوية التأسيس، بإدارة وزارة الثقافة، وبفضلٍ رياديٍّ كبير لوزير الثقافة الأسبق الدكتور باسم الطويسي، حيث بثه التلفزيون الأردني قبل رمضان، ويعيد بثّه حاليّاً. وكان من المفترض أن تبثّه جميع محطّات التلفزة الأردنية الرسمية.

بجهودٍ مضنية، وعلى مدار نحو عام كامل من العمل المتواصل، مع فريق فنّي محترف، في التصوير والمونتاج، بقيادة الصديق المخرج أحمد الرمحي، تم إنجاز هذا العمل بسوية إنتاجية عالية. وفيه، جُبنا أرجاءَ الوطن الأردني في كل محافظاته، متقصّدين الوصول إلى القرى والأرياف والبوادي، وقافزينَ عن قصبات المدن، على أهميتها في سياقات أخرى.

في حلقةِ العقبة، أبعدُ بلادنا جنوباً، حيثُ خَليج البحرِ والجبَلِ والبادية، مَضينا إليها، وفي النفسِ هاتفٌ يعلو: «لَكِ يا مَنازِلُ في القُلوبِ مَنازِلُ». ثمّ هَوَتِ بنا الدربُ الطويلُ إلى وِهادِها، لنُلقِيْ السلامَ على تلكَ الديار وأهلِها في «عَقبَةِ البلادِ وأيْلَتِهَا وثَغرِها»؛ تلكَ التي كانت بلدة صغيرة في العام 1906، في رأس الخليج، وفيها قلعة قديمة، ونحو مئة كوخ مبنية بالحجر الغشيم والطين، ويسكنها نحو 350 نسمة؛ ولا يمر بها سوى بعض تجارِ الإبل بين الحجاز والشام.

وباستثناء بعض المهن البسيطة، المرتبطة بصيد الأسماكِ وتجارتها في العقبة، ونظراً للطبيعة الصحراوية لغالبية مناطقها، فقد سادت تربية الإبل والماشية وفلاحة الأرض البسيطة في معظم أرجائها، وذلك في الفترة السابقة لتأسيس الدولة وفي عقودها الأولى، إلى أن بدأت بعض المهن تتوافر مع تأسيس الدولة وإداراتها للبنية التحتية فيها.

كان من اللافت، أثناء البحث، أن أعرف أنه؛ حتى العام 1942، أي في أواخر عهد الانتداب البريطاني، لم يكن هناك في العقبة سوى مدرسة أميرية واحدة هي؛ مدرسة العقبة القروية للبنين؛ واليوم، يبلغ عدد المدارس الحكومية في محافظة العقبة وقراها، حتى العام 2020؛ 77 مدرسة؛ كما يبلغ مجموع أطوال شبكات الطرق الرئيسية والثانوية والقروية، فيها، حتى العام 2020؛ 544 كم طولياً؛ وتغادر العقبة، وفي النفسِ أشجان إليها، ولِلَيِلِها، وإلى أهلٍ فيها يحلمون بغدٍ أبهى؛ فتحملُكَ أشجانُهم إلى بحرِها ومَوجِها، الذي يضربُ شُطآنَها في كلّ طالعِ شمسْ، حاملاً في نسائمِهِ عِشقَهم لَها. فعلى الرغم من مشقة العيش وصعوبته في حياة الناس، في العقبة وباديتها وحواضرها، في المراحل الأولى لنشأة الدولة وما قبلها، إلا أن الناسَ يحنّون إلى تلك الأزمان، وما رافقها من بساطةٍ في العيش ومشاغلِ الدنيا وهمومِها التي كانت أقل؛ كان أكثر الأشياء التي تركت في نفسي تأثيراً عميقاً هو عبارة قالها شيخٌ جليل، علي المَوَسة «أبو عطوة»، أحد ضيوف البرنامج، من قرية الحميمة، وهو يصف ضمائرَ الناس عند البدء بحراثة الأرض وزراعتها في تلك الأزمان. فعندَ رَمي البذار، كان الناس يَنوون ويُضمرونَ ويقولون، بلهجتهم: «بْذارْ خِير.. لْنَا ولَلطيرْ، وللعَشمان، وللجيعان»!

fafieh@yahoo.com