كتاب

الصحة في «رؤية التحديث الاقتصادي»

مع دخول المملكة مئويتها الثانية، أطلقت وتحت الرعاية الملكية رؤية التحديث الاقتصادي، والتي انبثقت عن مخرجات ورش العمل الاقتصادية التي عقدت وبتوجيهات ملكية في الديوان الملكي الهاشمي، و تتمحور هذه الرؤيةُ حول شعار «مستقبل أفضل»، وتقوم على ركيزتين استراتيجيتين: الأولى إطلاق كامل الإمكانات لتسريع النمو الاقتصادي والثانية الارتقاء بنوعية الحياة لجميع المواطنين، وحيث ان صحة المواطن هي المحرك لكل القطاعات و تتأثر سلبا اوايجابا بمخرجات كل قطاع فهي من يساهم في تحديد نوعية حياة المواطن.

تناولت الرؤية ثماني محركات للنمو الاقتصادي، وقد وردت الصحة صراحة في اطار كل من المحرك الثاني - الخدمات المستقبيلة - والمحرك الثامن - نوعية الحياة - ووردت ضمناً في المحركات الاخرى، وهذا يعود الى العلاقة القائمة بين الصحة والتنمية والتي تعتبر علاقة متبادلة وطردية فكل منهما يؤثر ويتأثر بالآخر وكل منهما بالنسبة إلى الآخر يشكل هدفاً ووسيلة ونتيجة، فالهدف الاساسي للتنمية هو تمكين الإنسان من تحقيق ذاته وإنسانيته للوصول الى إشباع اكبر قدر ممكن من حاجاته الأساسية على اختلاف أنواعها وفي مختلف مراحل حياته.

اشتملت الرؤية على 366 مبادرة، خصص منها للصحة 10 مبادرات، إحدى هذه المبادرات «اعتماد وتطبيق منهجية صحة الأسرة كنموذج لتقديم خدمات الرعاية الصحية الاولية »، وقد أحسن الزملاء الخبراء المشاركون في جلسات ورش العمل اختياراتهم لجميع المبادرات الصحية للعقد القادم.

أدرك، كطبيب مختص في الرعاية الصحية الأولية وكخبير في هذا المجال لثلاثة عقود، أهمية الدور الذي تلعبه الرعاية الصحية الأولية في صحة الفرد والأسرة والمجتمع خاصة حين تُقدم بشكل سليم وعلى أسس علمية ومن قبل فريق طبي متخصص في صحة الأسرة، فهي الأساس لحياة جيدة ونظام رعاية صحية قوي و مزدهر، وحين يعتريها الضعف، يستشعر المواطنون المعاناة وينعكس ذلك على النظام الصحي برمته وبمستوياته المختلفة، فالرعاية الصحية الاولية هي بوابة اي نظام صحي، فان صلحت صلح النظام الصحي كله، وإن تعثرت او تبعثرت وتشتت فاقرأ على النظام الصحي السلام.

لقد شهدنا ذلك مع تبعات مأساوية خلال جائحة فيروس كورونا إذ كانت الرعاية الصحية الأولية الحلقة الأضعف في التصدي للجائحة على الرغم من أهميتها في «تسطيح منحنى» الجائحة عبر تدابير محددة. وعلى الرغم من أن الجائحة ألقت الضوء على مدى ضعف الأنظمة الصحية في كثير من البلدان، فإنها أيضا أبرزت الدور المهم الذي بمقدور الرعاية الصحية الأولية لعبه خلال حالات الطوارئ الصحية، فقد اماط فيروس كورونا اللثام عن مواطن الضعف الكامنه في الانظمة الصحية، وقد كشف تقرير صدر مؤخرا للبنك الدولي بعنوان «تحويل الأقوال إلى أفعال: إعادة تصور الرعاية الصحية الأولية بعد فيروس كورونا»، ضرورة ان تقوم البلدان بإعادة إحياء أنظمة الرعاية الصحية الأولية لديها لتحسين النتائج الصحية والجاهزية على نحو أفضل.

من حسن الطالع أن مبادرة منهجية صحة الاسرة من المبادرات الجارية وتطبق بشكل غير ممنهج في بعض مراكزنا الصحية وتحتاج الى شيء من الصقل والمراجعة، إلا أننا نحتاج إلى أربع تحولات هيكلية في كيفية تصميم، وتمويل، وتقديم الرعاية الصحية الأولية والتي ستساعد في دفع إصلاح النظام الصحي قدماً، أولها الانتقال من خدمات رعاية صحية اولية منخفضة الجودة إلى خدمات ورعاية عالية الجودة للجميع يقدمها فريق طبي مدرب وفق منهجية صحة/ طب الاسرة وذلك لتعزيز نطاق وجودة الرعاية، ثانيها التحول من رعاية صحية مجزأة إلى رعاية صحية متكاملة تتمحور حول الفرد في نطاق الاسرة والمجتمع أما ثالث هذه التحولات الانتقال من عدم المساوة والإنصاف إلى العدالة والمساءلة، حيث يؤدي تقديم الرعاية الصحية الأولية بشكل فعال إلى تعزيز ومكافأة المسؤولية عن النتائج الصحية والتحول الرابع من رعاية صحية اولية هشة وضعيفة إلى رعاية قادرة على الصمود، فالرعاية الصحية الأولية وفقاً لمنهجية صحة الاسرة ستوفر رعاية متكاملة وشمولية ومستمرة وموجهة نحو الفرد في المجتمع، تقدمها كوادر صحية مدربة تدريباً جيداً على منهجية صحة الاسرة وتمارس تقديم الخدمات بالاستناد الى المرتكزات الاساسية لطب الاسرة.

ومن الأمور ذات الأهمية أيضاً، إعادة هندسة الطريقة التي يتم بها تمويل الرعاية الصحية الأولية فثمة حاجة لزيادة التمويل الصحي المقدم لها وإعادة توجيه الدعم المالي من المانحين.

مبادرة منهجية طب الاسرة في الرعاية الصحية الاولية ستنقل ميزان الرعاية من النمط العلاجي الذي يعتمد على المستشفى إلى النمط الذي يقدم خدمات وقائية وصحية في المجتمع، مما سيؤدي إلى تنظيم الرعاية الصحية والموارد بطريقة أفضل بهدف الوصول إلى نهج رعاية متكاملة، تتمركز حول الفرد، مع التركيز على تمكين الناس ليتخذوا قرارات واعية تتعلق بصحتهم، فطبيب الأسرة الذي يعول عليه قيادة فريق منهجية صحة الاسرة، هو الأكثر دراية بكافة الحالات المرضية بين أفراد المجتمع، الأمر الذي ينعكسُ على خدمات صحية أفضل لكافة أفراد المجتمع، وذلك عندما يكون لكافة المسجلين في المراكز الصحية طبيب محدد يتعاملون معه، يتمكنُ من معرفة أغلب المشاكل الصحية التي يعانون منها، و يحد من التعامل مع أكثر من طبيب، ويقلل من إهدار الجهود في التعرف على الحالة الصحية للمراجع بصورة كاملة لأكثر من مرة.

خلاصة القول، نموذج طب الأسرة ومنهجية صحة الأسرة في المراكز الصحية خطوة باتجاه نقل تركيز الرعاية الصحية الأولية من علاج المرض إلى الوقاية منه.