تشكل المواقع الأثرية التي يحتضنها لواء القصر شمال الكرك وعددها (32) موقعا يمتد تاريخها من العصور الحجرية القديمة وحتى الفترات الاسلامية المتأخرة جزءاً من الفسيفساء الحضارية للأردن اذ تقف تلك المواقع بأوابدها وبقاياها الاثرية شاهدا على ارث اقوام وامم خلفت بصمات تحكي قصص حياة مزدهرة لحضارات عريقة تعاقبت على المنطقة ابان حقب تاريخية.
الالتفات لتلك المواقع بترميمها وحمايتها ووضعها على الخريطة السياحية الاردنية تعد ابرز مطالب سكان اللواء الذين يتطلعون ان تاخذ تلك المواقع مكانتها ونصيبها من الترويج والتسويق السياحي على المستويين المحلي والخارجي وتوفير الخدمات وسبل الراحة للسواح المحليين والاجانب واحداث نقلة في الحياة الاجتماعية بخلق فرص عمل لابناء المنطقة.
ودعا مواطنون دائرة الاثار العامة الى التوسع في اعمال التنقيب في المواقع الاثرية ووضع الإشارات التعريفية بها و تسييجها وحراستها كما دعوا وزارة السياحة بادراج هذه المواقع على برامج المكاتب السياحية خاصة وان الطريق الملوكي المار عبر وادي الموجب شمال الكرك ويخترق بلدات اللواء يعتبر خطاً رئيساً للحافلات السياحية باتجاه الكرك ومحافظات الجنوب كما أشاروا الى ضرورة شمول تلك المواقع ببرنامج «أردننا جنة» بحيث يتم اعتمادها كمسار للافواج السياحية المشاركة في البرنامج الهادف لتنشيط السياحة الداخلية.
وقال مدير مكتب اثار لواء القصر رياض المجالي الى «الرأي» ان اللواء يحتوي على ارث تاريخي يمتد من العصر الحجري الحديث مرورا بالعصرين البرونزي والحديدي والفتره النبطية والهلنستية والرومانية والبيزنطية والعصور الاسلامية وصولا الى العصر الاسلامي المتمثل بوجود بقايا اثار عثمانية، مشيرا الى ان المكتب يشرف على المواقع الاثرية في لواءي القصر وفقوع والتي تعود ملكيتها لدائرة الاثار العامة وللخزينة وتتفاوت اهميتها تبعا للفتره التي تعود اليها ومدى سلامة العناصر والبقايا الاثرية فيها.
وبين الى أن اثار القصر والربة والبالوع وخربة فارس تعد ابرز المعالم الاثرية في اللواء مشيرا الى المعبد النبطي الواقع وسط بلدة القصر على الطريق الملوكي والذي سميت البلدة باسمه لا يزال يحافظ على جزء كبير منه يعود بتاريخه الى الربع الاول من القرن الثاني الميلادي ويتميز بضخامة الحجارة والاعمدة التي بني منها بالاضافة الى جمال الزخارف النباتية والحيوانية والهندسية التي تزين البناء.
واضاف ان المعبد يتكون من ثلاثة اقسام وهي المدخل المعمد الواقع في الجهة الشرقية ويضم ثلاثة مداخل يتقدمها اربعة اعمدة ضخمة اضافة الى برجين في الزاويتين الشمالية والجنوبية اضافة الى صالة مركزية مستطيلة الشكل مبلطة بقطع حجرية،اما الجزء الاخر من المعبد فهو «المقدس» المكون من ثلاث حجرات تعتبر الوسطى الحجرة التي كان يوضع بها تمثال الالهة،والى الجهة الشرقيه من المعبد يوجد خزان لتجميع الماء عبر قنوات تحت الارض تعمل على نقل مياه الامطار المتجمعة على سطح المبنى الى الخزان.
وتابع المجالي انه للحفاظ على المعبد تم استملاك المباني التراثية المحيطة به والتي تحتوي على عدد كبير من حجارته وخاصة المزخرفة منها حيث تم هدم هذه المباني لاظهار المعبد من جهة واستعادة حجارته من جهة اخرى ليصار الى ترميمها مستقبلا،كما تم بناء سور حجري يحيط بالمعبد لحمايته وتنظيم الدخول اليه من خلال ابواب شيدت ايضا من الحجارة للحفاظ على جمالية الموقع.
واشار الى ان بلدة الربة الواقعة على بعد 20 كم الى الشمال من الكرك تعتبر من أهم المدن المؤابية في فترة حكم ميشع المؤابي وتحتل مركزا مهما على الطريق الملوكي كما ازدهرت في العهد النبطي كمنطقة زراعية يدلل على ذلك خزانات المياه والابار المنتشرة في البلدة ومن الآثار الموجودة فيها ايضا معبد نبطي ما يزال ماثلا للعيان ويوجد على جانبي مدخله محرابان صغيران كما يوجد في الجهة الجنوبية بركة مياه تزيد مساحتها على (2000) متر مربع.
فيما شكلت البلدة في العصر الروماني–قال المجالي -محطة رئيسية ومركزا مهما في الولايه العربية التابعة للامبراطورية الرومانية وكانت تسمى» اريوبوليس » اي مدينة «الاله ارس اله الحرب «عند الرومان حيث شهدت في هذه الفترة نهضة عمرانية كما تشير البقايا الاثريه كالمعبد الروماني الذي ما زالت اثاره باقية الى اليوم والذي تم ترميمه وتقوية جدرانه،بالاضافه الى بقايا الطريق الملوكي المعمد باعمدة من الطراز الكورنثي موضحا ان بلدة الربة حافظت على مركزها في الفترة البيزنطية وكانت مقرا للأسقف حيث تظهر عدة كنائس منها واحدة تقع جنوب المعبد الروماني، اما في في الفترة الاسلامية اضاف عرفت الربة عند المؤرخين ب «ربة مأب» وقد فتحها القائد ابو عبيدة عامر بن الجراح صلحا عام 13 هجري وتم اكتشاف قبر عليه لوحة حجرية تذكر انه قبر زيد بن علي (زين العابدين) بن الحسين بن علي بن ابي طالب.
اما موقع البالوع الأثري الواقع الى الشمال الشرقي من بلدة القصر فقال المجالي انه يحوي على قلعة بناها المؤابيون لحماية الطريق الملوكي المار بوادي ارنون (وادي الموجب) وترجع أهميته لاكتشاف (مسلة البالوع) من قبل الرحالة هيد سنة 1930 التي يعود تاريخا لسنة (1200) قبل الميلاد وهي عبارة عن حجر من البازلت تحمل رسما للملك المؤابي يتسلم الصولجان من الإله المصري وخلفه اله حاتور، ويوجد على الحجر كتابة منقوشة من أربعة اسطر وبسبب تشوهها لم يتم تحليلها.
وبين انه اجريت في الموقع عدة حفريات اثرية من قبل بعثات اجنبية خلال عدة سنوات ماضية كشفت عن الحقب التاريخية والحضارات التي تعاقبت على الموقع، واجريت اخر حفرية عام 2019 حيث قامت جامعة لاسيرا من كلفورنيا وبمشاركة مكتب التنقيب الاثري للموقع حيث ساهم ذلك بإثراء عملية البحث العلمي.
واضاف ان خربة فارس «تدون» الواقعة بعد كيلو ونصف شمال غرب منطقة القصر على مساحة (4) دونمات و تقع على الحافة الشرقية من وادي الزقيبة لا تقل اهمية عن بقية المواقع الاثرية المنتشرة في اللواء وهو عبارة عن قرية زراعية تؤرخ للقرن الثالث عشر قبل الميلاد وتحوي على ابنية استخدمت للسكن وممرات و غرف ذات عقود و اقواس نصف برميلية و قد زار الموقع عدد من الرحالة منهم موزل عام 1908.
ولفت المجالي الى ان المكتب يتولى ادارة المواقع الاثرية التابعة له للحفاظ عليها وحمايتها وتعين حراساً لها واجراء اعمال الصيانة والنظافة،اضافة للاشراف والمشاركة في اعمال الحفريات التنقيبية والمسوحات الاثرية التي تجريها البعثات الاثرية، وكذلك القيام باعمال الحفريات الانقاذية عند الضرورة لبعض المواقع والعمل بتشاركية مع الجهات الحكومية الاخرى لتنفيذ اية برامج تخدم الواقع الاثري في اللواء،لافتا الى انه ومن خلال برنامج التشغيل الوطني تم العام الماضي تشغيل (700) عامل من ابناء اللواء في اعمال صيانة المواقع الأثرية.