محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

ستستمر الحياة.. يوماً ما

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
نادية ابراهيم القيسي

عندما تقف وحيداً أمام عظمة الموت.. وتَنسل روح من تحب بين يديك.. تفقد الاحساس تلقائيًا بالمكان والزمان.. تنسلخ عن الواقع.. رغماً عنك لتقف كجلمود صخر أبكم أصم.. يغمرك الشعور الطاغي بأنك تهوي بسرعة الضوء في ذلك العمق السحيق القاتم بينما في عقلك آلاف الصراعات والتناقضات المؤلمة.. فلا مجال للحزن ولا قدرة حتى على البكاء.. فهناك الكثير مما يقع على عاتقيك.. والكثيرون ممن يعتبرونك مصدر قوتهم.. ملجأهم والمستند عليه بعد الله في حياتهم.. فأنت الجبل الذي لا تهزه أعاصير.. وإن كنت تعي تماماً أنك في جوهرك مجرد ريشة وحيدة في مهب الريح مهما حاولت التشبث إلا أنها تترنح في دوامة زوبعة عاتية.. فيكون القرار ها هنا إجبارياً بأن يغلب العقل القلب.. وينتصر لما يفرضه الواقع رغماً عن رغبتك الجامحة في الانهيار والانصهار بعيداً عن كل شيء.. فترتدي بكل جبروتٍ ذاتي دروع التماسك الصلب لتمضي قدماً كرجل آلي ينفذ مهماته بروح قدت من فولاذ بلا أي ردة فعل.

صدقاً غريبة هذه الحياة.. فمهما حاولت الابتعاد عن الحزن... إلا إنه بطريقة ما يجد مسلكاً يغمر به طريقك.. من حيث لا تحتسب فيغتال أنفاسك على حين غرة... أمام نهاية قاهرة لا مفر منها ألا وهي الفناء الحتمي المقدر على جميع الخلق. فما بين موتٍ.. وموت ينفطر الفؤاد مرة تلو الأخرى... على حبيب أو غالي فُقد منا بغتةً بلا أدنى توقع... ليرحل عن دنيانا الزائلة.. تاركاً أرواحاً مكلومة... نحيبها مكتوم وأنينها بلا صدى لتمضي بنا الأيام بعد ذلك ونحن نتجرع كؤوس ذكريات الماضي القريب والبعيد من طفولة بريئة إلى شباب متألق وأيام نضوج هادئ...

جمعتنا فيها الكثير من العلاقات البشرية مع أشخاص منهم من مات حقاً بقضاء الله وقدره ومنهم من اختار أن يموت في أعيننا... بأقواله وأفعاله أو اخترنا نحن دفنه في مقبرة النسيان واكتفينا بالأطلال لادراكنا -وإن كان إدراكاً متأخراً أحياناً- أن الواقع يفرض نفسه في عالم لا مجال فيه للأحلام والأوهام المراهقة فكم نزير... ذلك الحب الحقيقي الذي تجمعك به صدفة ما؛ فتجد أنه علي بُعد مسافات طوال لا تُطوي مهما حاولت السعي بكل ثبات... عزم وإصرار..

فكلما ظننت أنك اقتربت يصفعك تبدد السراب الذي تتجلى دونه صحراء قاسية قاحلة جرداء.. لا تروي لك ظمأً ولا تبرد لك جوفاً مستعراً بنار بلاهتك الحمقاء فتعود مرغماً لتقوقع في مغارات الوحدة والصمت منعزلاً بعيداً عن أي راحة نفسية–وإن كانت لحظية متمثلة في بضع حوارات... كلمات... وضحكات مسروقة من مر الزمان- فيختارك الفراق مجدداً وترضخ له طوعاً أو كرهاً لتعيش نوعاً آخر من تجربة الموت البطيء... برغم كل ما ينبض فيك من عشق الحياة.

إن كل ما يدور في دواخلنا... من حولنا وفي العالم أجمع يقودنا باللاشعور والشعور لفخ الانهزام والاستسلام.. مكللاً حياتنا بأنواعٍ من القلق.. اليأس والإحباط لنصبح مكبلين كرهائن للعجز والانكسار لكننا برغم كل شيءٍ يجب أن نجاهد بكل ما أوتينا من قوة لنتقن فن التفاؤل باحثين عن بصيص الأمل الذي يقتلعنا من براثن الانغماس في الأحزان ولينبثق فينا مجدداً بدفق غزيرٍ طاغي ذلك الايمان الراسخ في وجودنا برحمة الله التي وسعت كل شيءٍ رحمة وعلماً.. فيتجدد في قلوبنا اليقين ما بين التفويض والتسليم لمشيئته الرحمن أن كل مُر -وإن طال الزمان- سوف يَمر... وستستمر الحياة برغم كل هذا التخبط القسري في متاهات الظلمات الحالكة التي نحيا.

نعم ستستمر الحياة... بطريقة ما؛ سوف تزداد جلودنا سماكة فتصبح خشنة غليظة كنبتة صبارٍ شائك مخفيين ما بداخلنا من جوفٍ هلامي رخو.. ممكنةً إيانا أن نقف بصمود وشموخ بين كل تلك الكثبان الرملية... الوديان العميقة.. الرمال المتحركة والعواصف الترابية الجامحة التي لا تفتأ أن تغزو.. أرواحنا.. طمعاً في أن تقتات على أجسادنا... ومحاولة وأدنا كما الجاهلية الأولى لكنها أبداً لن تهزمنا.. فنحن لن نيأس أبداً من روح الله... الذي جعل لنا سبحانه في الصبر أجر وثواب جنة عرضها السموات والأرض بلا حساب.

فعذرا على كل هذا الحزن... (إن القلب ليحزن وإن العين لتدمع). رحمنا الله جميعاً أحياء وأمواتاً وهو أرحم الراحمين والحمد لله رب العالمين. والله من وراء القصد

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress