كتاب

حرائق الغابات تهديد للنظم البيئية!

تعد الغابات واحدة من أهم النظم البيئية التي لا يمكن تجاهل أهميتها بالنسبة لكوكب الأرض، فهي العصب الأساسي للنظم فوق الأرض وتحتها والذي يؤثر بشكل أساسي وإيجابي في حالة سلامته على باقي النظم البيئية، وتشهد الغابات عالميا اخطار متعددة أهمها الاعتداء عليها بالتقطيع وتحويل أراضيها الى أراضي زراعية والحرائق الطبيعية والمفتعلة والجفاف وتغير مستوى الهطولات المطرية مما يحرمها فرص التجدد الطبيعي.

ولكن عند الحديث عن مساحات صغيرة ومحصورة من الغابات في بعض بلدان المنطقة العربية والتي تتسم أراضيها غالببا بالطبيعة الصحراوية وتقل فيها الهطولات المطرية عن 400 ملم في السنة، فإن الحديث هنا عن الغابات عليه ان يأخذ شكل الضرورة والاولولية القصوى، حيث اننا لا نعيش ترف الغابة بل على العكس علينا ان نعي انه ليس الغابة مهمة فحسب بل الشجرة الواحد في أي مكان هي بمثابة طوق نجاة من التغيرات والتهديدات خاصة على مستويات التلوث الهوائي فخلال الشهر الجاري عاشت المنطقة الشرقية من العالم العربي موجة عميقة الأثر من الغبار والاتربة، مما دعا اخصائيو الصحة والجهاز التنفسي الى دعوة الناس الى عدم الخروج الا للضرورة القصوى، لما لتلك الموجة من أثر مباشرعلى صحتهم وحياتهم التي قد تكون تحت التهديد المباشر.

إن تدمير الغابات وندرتها وتدهور أراضيها جراء الفعل الإنساني مع ما تواجهه الكرة الأراضية من إشكاليات مناخية يجعل الموضوع اكثر صعوبة من ناحية المواجهة ومعالجة الأثار وزيادة المنعة، ولكننا امام حقيقة مفادها ان البشر على مستويات بسيطة من الوعي أي المجتمعات المحلية لا تعي حجم واهمية الموضوع، وذلك ناتج عن اعتبارات من أهمها زيادة سطوة جهات مختلفة على مساحات الغابات وحيازتها وحرمان المجتمع المحلي من التمتع بالفوائد الاقتصادية والاجتماعية منها، وهنا نتحدث عن بعد اجتماعي حقوقي وتحديدا للسكان مجاوري الغابات او المجتمعات المحلية التي تقطن بجانب الغابات، هذه المجتمعات التي قد لا تؤخذ بعين الاعتبار عند التخطيط وعند الحيازة وعند صياغة الرؤى المحلية والتي تكون أحادية الجانب في غالبها، مما يثيرحنق وغضب هذه المجتمعات وقد يؤدي الى افتعال وتصنع العديد الحرائق او الاعتداء كنوع من الاحتجاج المباشر على انتهاك حقوقهم في المشاركة في حماية وإدارة والتمتع بفوائد المساحات الغابوية، وهذا يقود المسؤول الى إتهام المجتمع بالدرجة الأولى وطلب قوانين صارمة قد تزيد هذه القوانين الصارمة من حرمان المجتمع والعامة من التمتع بشكل مباشر في حقوقهم في الحيازة العامة للغابات والتي هي واحدة من اهم أدوات الضمان لحماية الغابات والمحميات الطبيعية.

أما البعد الآخر والذي لا يقل أهمية عن الأول هو مدى وعي المجتمع بالاضرار الوشيكة على المستوى البعيد جراء ممارساته غير السوية إتجاه الغابات وهنا لا يتحمل المجتمع والناس وحدهم مغبة ذلك بل يتحمل المسؤول، والنشطاء والمؤسسات البيئية أيضاً جزءاً كبيراً من المسؤولية فلا يمكن أن يكون الحديث حول الغابات وضمن ما نواجهه من تحديات مرتبطة بتغير المناخ مقتصر على أيام محددة أو عبر أحداث بسيطة سنوية عابرة بل يجب أن يكون هنالك برامج بيئية ممنهجة وواضحة المعالم ولديها برنامج دوري يعمل مع مختلف فئات المجتمع وتقوده الوزرات المعنية من الزراعة والبيئة وتشارك به مؤسسسات المجتمع المدني والنشطاء، فما زال الربط على مستوى التنسيق بين الوزرات لا يأخذ البعد الحقيقي للتحدي، ولا يدمج العمل الغابوي أهميته بأهمية العمل المناخي، وليس هنالك خطط واضحة تسهم بشكل محدد في إطار دعم الجهود في مكافحة تغيرات المناخ مبنية على المساهمة والحد من تدهور الأرض والغابة لذلك نجد أن العمل يأخذ شكل الجزر المعزولة والتي في النهاية لن تصلنا وتصل بالأجيال القادمة إلى بر الأمان.

هذا الكلام كله يأتي في سياق ما حدث خلال الأسبوع الماضي في شمالي الأردن من حريق ضخم اتى على اكثر من 1600 دونم غابوي طبيعي ومما يزد المشكلة سوء أن هذه الغابة تعتبر جزء من محمية طبيعية هامة تقع هناك، التقارير الأولية تشير إلى أنه قد يكون «مُفتعل»، وهذا يعني أن أحد أفراد المجتمع القريب قد يكون قام بذلك، وعليه فإن الاعتبارات السابقة قد تكون هي الدافع الأساسي للقيام بهذا الفعل إن صحت التوقعات، ولكن التفكير فقط بالعقاب أو بملاحقة الفاعل كما أعلنت الجهات المختصة لن تكون الحل الشامل لضمان عدم تكرار هذه الأفعال بل لا يمكن ضمان ذلك إلا عبر ممارسات الحوكمة الحقيقية التي هي الحل الأول الذي يمكن أن تقلل هذه الخطورة وتزيد من مستوى الحوار الوطني، بالإضافة إلى إدماج الخطاب الحقوقي وتكييفه من أجل الوصول إلى حماية مجتمعية للغابات، ومنعة فعالة اتجاه تغيرات المناخ.