أعدنا قراءة رسالة جلالة الملك مرات عديدة فما وجدنا فيها غير حقيقة واحدة كانت هي القول الفصل فيما اندرج تحتها من حقائق أخرى أنه في مبتدأ الرسالة وخبرها ما كان يبغي أن يصل الأمر لما بلغه لكنه حال «الضرورات» بالوجهة التي تبيح «المحظورات» حين لم يجد منها الملك بُدًّا ليعلن إلى الملأ تقييد اتصالات الأمير حمزة مقدمًا المصلحة الوطنية العليا للأردن على ما سواها، وما كان صبر الملك منذ عدة أشهر إلا لإتاحة الفرصة ومنح الأمير حمزة متسعاً من الوقت ليعود لكنه لم يفعل، فجاءت الرسالة واضحة بأقصى درجات المكاشفة التي عهدناها بجلالته منذ تسلم سلطاته الدستورية حين قال إن الجميع عندي شركاء في تحمل المسؤولية وتدعيم رافعة العمل والبناء وحماية الوطن والالتزام بمصالحه لأن مسيرة الوطن تحتاج إلى جهد مخلص، وعمل دءوب، وعزيمة ماضية، وتعاون مثمر، بين أبناء أسرتنا الأردنية الواحدة، لنبني جميعاً مستقبل الأجيال، في وطن آمن مستر ومزدهر.
الملك الذي أعطانا دروساً في الحكمة والصبر والأناة والحلم، كان وما زال الملتزم بوصية والده الحسين حين قال له في رسالة تعيينه وليا للعهد بما معناه أن يكون للأردنيين شقيقاً فيوقّر كبيرهم ويحترم صغيرهم ويصفح طالما كان هناك للصفح مجالا، وان يتواضع وألا يقيم بينه وبين الناس حاجزاً، ولعمري إن هذا النهج الذي اختطه الملك كان هو العقد الاجتماعي الفريد بينه وبين أبناء شعبه في محافظات المملكة وألويتها وقراها، فما كان في كل تصرف له إلا ليترجم قوله في خطابه إلى شعبه الأردني في الثاني والعشرين من آذار عام تسعة وتسعين: «فإنني أعاهد الجميع على مواصلة المسيرة بكل ما أوتيت من قوة وعزم ومعرفة لتحقيق الأهداف والطموحات النبيلة التي عملتم وكافحتم مع الحسين لتحقيقها في إطار من التشاور والمشاركة في تحمل المسؤولية ووضع مصلحة الوطن فوق كل المصالح والاعتبارات».
نحب سيدنا وأحبناه لأنه من الناس ومع الناس، ونقدر سعة صدره وحجم الوقت الذي استغرق من تفكيره طيلة الأشهر التي مضت منذ برزت قضية الفتنة التي أراد لها الملك ألا تخرج من إطار البيت الهاشمي، وكان ترحيبه بتوسط العم الكبير سمو الأمير الحسن بن طلال دليلاً قاطعاً على حلم الملك ومحبته لأخيه ورغبته ألا تصل الأمور إلى عنق الزجاجة وتبلغ زاوية ضيقة من الصعب الخروج منها، غير أن وأد الفتنة من أساسها ودفع الملك لكل خطر محدق بالأردن ومصالح أبنائه كان وسيبقى هو الأولوية التي تتقدم أجندة الملك في حلّه وترحاله والتي لا يقبل أن يشوبها شائبة لا من قريب ولا من بعيد.
مع الملك أوفياء له ولبيعته التي له في أعناق الأردنيين الذين ذرفوا الدمع على الحسين وعاهدوا أن يواصلوا المسيرة مع خلفه عبدالله الثاني، فلا مكان ولا ساحة للخراب ولا للتربص ولا للنيل من مقدرات الوطن واستقرار مؤسسة العرش فيه، هكذا فحوى ما نقرأه ولا شيء سواه.
حمى الله الوطن وأدام ملك سيدنا المفدى.