محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

حديث صاخب

No Image
طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
أيمن حمد المناصير - (كاتب أردني)

يصحو أبو محمد من نومه مبكرا كعادته، يهتمّ بسياراته الأربعين، مغرمٌ بها حدّ الجنون، يراعيها كأنّها واحد من أبنائه، ربما أكثر، كانت تأتيه خواطر في بعض لحظات الصفاء بأنّ هذه السيارات قد تكون رسالة الله إليه، فلكلّ منّا حظّه من الدنيا وهذه العرائس هي نصيبه وقسمته التي يشكر ربه عليها ليل نهار، كان يذكّر نفسه دائماً بمقولته التي نقشها على جدار حياته «مَن جدّ وجد».

لكلٍّ عشقه، بعضهم يهيم في امرأة وآخر يتفانى في حب قططه، لكنّ أبا محمد تولّه حدّ الشغف بالسيارات التي كان يميّز أنواعها بشكل يثير حفيظة زملاء الطفولة، لقد رسم على جدران الحي والمدرسة الكثير منها، تحدّث لأبنائه ذات صفاء عن هذا الشغف:

"لقد كنت مهتمّاً بسيارات السرعة في فترة المراهقة، أمّا الآن فتستهويني السيارات الكلاسيكية» ضحك ثم أردف:

«لكلٍّ عمر مذاقه، نظرتك تختلف كلما ازددتَ نضجا، تختلف اهتماماتك، حتى الأصدقاء تزيد معاييرك عند انتقائهم،... أشياء تفقد طعمها وأخرى تكتسب طعما ومذاقاً جديداً».

صمت هنيهة ثم تابع: «لا أتخيل أن أرى عجوزاً يقود سيارة سباق، كما أنّ الشباب لا تليق بهم السيارات المتزنة، مزيج من الحكمة والتهور، العبث والاتزان، لا يلتقيان».

بدأت الحكمة تسيل من فمه، وشعر أنها بدأت تستقر هذه المرة في آذان شغوفة بالمتابعة، أصابه شيء من الزهو، فالكل يصغي بانتباه لم يعتد عليه، شعر أن المكان صار أذناً كبيرة ليغترف من بحر تجربته وينهل من عقلٍ عشق فأبدع.

ذات صباح وقبل أن تعلن الديكة موعد انبثاق الفجر، جاءه ما يشبه الخاطر، تُرى لو تعرضت سيارته المفضّلة لحادث على الطريق الصحراوي.. ساعتها لن يهتمّ بنفسه أبداً، فهل سيبقى طعمٌ للحياة بعدها؟ قد ينهار ويزوره الاكتئاب ويستقر في بيته ولن يبرحه، فهذه «عزيزة»–كما يطيب له أن يسميها- أوّل سيارة تعرّف إليها. كانت كما يردّد دائماً: «أوّل الرزق»، وكان يضيف: «كلّ ذكرياتي وحياتي معلّقة بهذه السيارة»، استعاذ بالله من شرّ هذا الخاطر وقال متمتماً: «يبدو أن عشائي الثقيل ليلة أمس أدخلَ إلى رأسي الهواجس والكوابيس»، ثم قال قاطعا: «لن أتناول العشاء بعد اليوم».

نهض وضرب كفيه وحاول أن يهذّب شعره من خلال تخليل أصابعه بين خصلات شعره، في الحقيقة لم يكن يهذّب شعره، كان كمن يحاول أن يتخلّص من الأفكار التي راودته، كأنّه بهذه الحركة ينفضها ويبعدها عنه، حركة تعوّد أن يفعلها كلما جاءته فكرة تقلقه، قال في نفسه معاتباً لائماً: «لن أسمح للهواجس أن تلاحقني»، ثم بدأ يسير تجاه كراج سياراته يتفقدها واحدة واحدة، يمسح الغبار عنها ويزيل بقعة هنا أو هناك علقت من آثار الطريق.

تمتم كمن يحدث نفسه: «لعنة الله على طرقنا المليئة بالغبار الذي لا يهدأ ولا يستقر له بال إلا عندما يلوّث أهم مقتنياتنا، ألا يعلم هذا الغبار على أيّ سيارة وقع، وأيّ خطأ ارتكب»، ثم قال مخاطباً عزيزته: «لا تهتمي، لا تهتمي، أنا من سيعالج آثار السنين، أنا من يهتم في هذا البيت، أنا من يقدّر قيمتك، أنا من يدرك العراقة يا عزيزة».

هو يدرك أن القيمة لا ترتبط بالجِدّة وحدها، قد تكون الأشياء القديمة أكثر قيمة من شيء اشتريته لتوّك، لا يعي الكثير من الناس أن الأشياء محمّلة بذكرياتها، لذا أنت لا تهتم بالشيء مجرداً عن تاريخه، وهذا ما يعطي لوحات قد تبدو عادية قيمة عالية وثمنا باهظا، ربما هذا ما يعطي عزيزة قيمتها المميزة.

تناول خرقة معلقة على الجدار وأخذ يلمّع «عزيزة» بحذر كمن يطبطب على طفله النائم؛ خوفاً من أيّ حركة مفاجئة قد تقض مضجعه، يمرر يده على جسدها بحنو، يخاف أن يخدش نعومتها، لاحظ صورته في مرآة السيارة، لم يُعْجَبْ بوضوحها، فأخذ يدعكها بقطعة جريدة تُركت لهذا الغرض، كان دائما يقول لأبنائه معلّماً: «الجرائد دواء للزجاج والمرايا، كأنها تدرك قيمة الحرف فتبصر». عادت المرآة تلمع هذه المرة، وبريق يخطف الأبصار ظهر فجأة، وصورة أبي محمد ما زالت عالقة في المرآة، نظر فيها مستغربا، ثمّ قال في نفسه: «أهذا أنا؟»، كان الصوت متحشرجاً حزينا أليماً، لقد نظر إلى نفسه كأنه يراها للمرة الأولى في حياته، كأنه لم يرَ هذا الوجه من قبل.

ويلٌ لها المرآة، لقد عرّت روحه وكشفت آثار السنين التي أحدثت خطوطاً في ملامح وجهه، وكشفت شيباته التي طالما أخفاها بمسحوقه السحريّ، لقد اهتم بسياراته، عشقها حدّ الشغف، أحبها، عاش من أجلها لكنّه أهمل نفسه.

شعر أن قدميه عاجزتان عن حمل جسده المتهدل، دبّ اليأس والقنوط في شرايينه، زارته الكآبة على غير موعد. صمتٌ غزا رأسه فجأة، حاول أن يحدّث نفسه لكنها تجاهلته هذه المرة، زاد اضطرابه حتى غدا ككومة حزن تشكلت في زاوية غرفة مهجورة.

لقد تابع على مدار سني عمره سياراته المفضلة، كان يعرف كل تغيير يطرأ على «الموديل» الجديد كأنه تاجر سيارات محترف، طالما افتخر بمهاراته الفذة أمام آذان لا تمل حديثه، عن تفصيل بسيط أضافته الشركة الصانعة، وكان يسهب في تعليله جماليا وماليا، فالشركات ذكية على حد قوله: «تريد أن تمتع العين وتزيد الغلة».

لم يدر في خلده يوما أن الأيام تجري غير عابئة بمن يسكن هذه الأرض ويستوطنها، لم يكن يعلم، أو ربما كان يتجاهل أنه كسياراته، كل سنة بشكل جديد، دارت الأفكار في رأسه صاخبة قاسية، لم تسمح له أن يعيد ترتيب الأحداث حتى يفهم ما حل به، يبدو أنه نسي كل حكمته ذات صدمة.

لم يقطع هذه الأفكار غير صوت جاء من بعيد: «شكراً يا أبا محمد، «(عزيزة) ممتنة لك».

نقده الرجل مبلغاً من المال، ثم تناول مفاتيح «عزيزة» وأدار محرك السيارة، وانطلق في الزحام تاركاً خلفه أبا محمد وبعض الدخان الأبيض ينتشر في الهواء، لكنّ أبا محمد ما زال يفكر بحديث المرآة، حديث موجع كأنّه سقط في جوف بئر معطلة.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress