كتاب

الطريق إلى السلام

هذه الجائزة تمنحها مؤسسة الطريق إلى السلام التابعة لبعثة المراقبة الدائمة للكرسي الرسولي لدى الأمم المتحدة، وقد مُنحت هذه الجائزة لهذا العام لكل من جلالة الملك عبدالله الثاني وجلالة الملكة رانيا، فجلالة الملك بصفته الهاشمية يُشرف بشرعية دينية ودولية على المقدسات الاسلامية والمسيحية، ويحمل ملف القضية الفلسطينية في المحافل الدولية، وتستضيف الأردن لاجئين من فلسطين وسوريا والعراق والبؤر الساخنة الأخرى، وجلالة الملكة تساهم أيضاً في نقل المعاناة الفلسطينية للعالم من خلال لقاءاتها ومحاضراتها، وأيضاً تعمل بكل جهد تقوم به على القاء الضوء على معاناة اللاجئين في الأردن والدول المختلفة.

وفي سياق الجهود التي يقوم بها جلالة الملك في الحفاظ على المقدسات الإسلامية والمسيحية وما تاتي به هذه الجهود من أجل بناء قواسم مشتركة للديانات المختلفة في إطار تحقيق الفضيلة والدفاع عن الحقوق التي تخص المجتمع الفلسطيني والمجتمعات التي تضررت بفعل الظلم والديكتاتورية، ومن أجل حياة كريمة يعيشها الناس في مناطق الصراع ينعمون بالحرية الدينية والسياسية، ولعل الطريق إلى السلام هي المنظمة التي تضع كل دعمها بيد الأشخاص الذين يقومون على جهود متوازنة في إحداث التغيير الإيجابي نحو القضاء على الصراعات الاثنية والديموغرافية، وحيث أن جلالتيهما قد أعطيا من وقتيهما لمصلحة أن يكون هناك كوكبا متجانسا يتسعيد عافيته بعيدا عن ظلم الانسان لاخيه الانسان.

ولقد جاء تسليم الجائزة لهذا العام مع استشهاد الصحفية شيرين أبو عاقلة المسيحية ذات الجنسية الفلسطينية والأميركية والتي وهبت 25 عاماً من عمرها في تقديم الحقائق على شاشة الجزيرة لتكون ضمن 55 صحفي قضوا اثناء الصراع العربي الإسرائيلي منذ خمس وعشرين عاماً، وهذا يجعل للجائزة معنى مختلفاً إذ أن المسيحيين العرب إلى جانب المسلمين العرب يقفون معاً لأجل استعادة الأرض والمقدسات، وهذا يجعل من الجائزة في إطارها المسيحي ضرورية لأن تُقدم لقيادة هاشمية كرست كل جهد منذ مئة عام لأجل الحفاظ على المقدسات وعدم تهويدها إذ ان الصهيوينة تتبنى وجهة نظر متطرفة في وجود أماكن يهودية مقدسة تلتصق بالأماكن الإسلامية والمسيحية.

لقد كانت كلمة جلالة الملك الاثنين الماضي في غاية الجمال إذ قدم نفسه على أنه يمثل الذين يقفون لينافحوا الصراع، ويرسمون المستقبل، وهم الشعب الأردني بكل فئاته، من يواجهون تبعات الصراعات القائمة حولنا من فقر وخوف، ومن يقفون معاً في خندق واحد مسلمين ومسيحيين في ذات الخندق من العيش السلمي، والذي يعطي للعالم صورة راقية للتعايش دون إقصاء للآخر ودون خلق بؤر الكراهية التي أوجدها الكيان الصهيوني بسبب الإحلال الديني الذي يحاول أن يفرضه على الأرض، ولقد نوه جلالته إلى أهمية الافراد في التحكم بالتكنولوجيا وضرورة تكريس الفضيلة لأجل التفاعل البناء مع الأدوات الرقمية، وهذا يجعل عالمنا إنسانياً لا تطغى فيه المادة على الروح، والتي تقترب من الرسالة التي قدمتها الأديان السماوية وعلى رأسها الإسلام والمسيحية.

إذن الطريق الى السلام طريق طويلة وشاقة يقف القادة العظام والمؤسسات التي تعمل لأجل عالم خال من الاضطراب والجوع والفوضى، حتى يسود العدل ونبتعد عن الكيل بمكيالين، فما يجب أن يقوم به العالم إزاء أوكرانيا يجب أن يفعلوه ويطبقوه في فلسطين، والمعاناة التي يعاني منها الشعب الفلسطيني منذ سبعين عاماً يجب أن تجد حلاً في نهاية الطريق المليئة بالخوف والتردد.

لقد عملت مؤسسة الطريق إلى السلام على إيجاد قنوات الحوار بهدف حل المشكلات وهذا يعطي الأفضلية للكلمة على الرصاصة، ولن يسكت الذين يتراجعون في ميادين القتال إذا كانت لديهم حقوق، وستأتي أجيال اخرى تطالب بتحقيق العدل، ولذلك علينا أن نزرع السلام ونجتث بذور الكراهية.