محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

تحديات اللغة العربية «2»

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
د. كميل موسى فرام

تحدثت بمقالتي السابقة باختصار شديد عن تاريخ نشأة اللغة العربية وأهميتها، كتمهيد للفكرة التي أود الحديث عنها اليوم، وحتى أحصر الموضوع، أريد التركيز على محورين هامين، أصبحا يشكلان تهديدا حقيقيا مؤلما للواقع والطموح، كمقدمة لتغيرات مستقبلية لا يمكننا تحديد مرافقها، إن تعاملنا بسلبية وعدم اكتراث، فمنذ الطفولة تعلمنا أرقام اللغة العربية المتداولة حتى يومنا، إلا أن هناك ظروف فرضت واقعها لمراجعات، فتشكلت لجان التحديث والبحث التي اختارت الانحياز لتاريخ ينطق بأن الحروف المتداولة باللغة الإنجليزية هي الحروف العربية الأصلية حتى وإن كانت كتابتها تعاكس طريقة القراءة والكتابة المتداولة باللغة العربية، خصوصا أن بعض البلاد العربية تحت ظروف الاستعمار، استخدمت تلك الحروف لفظا وكتابة، ولكن الغالبية تستخدم الأرقام بأضلعها وزواياها، خصوصا في منطقة بلاد الشام وجزء يسير من بلاد الجزيرة العربية، حيث أرى بضرورة العودة عن هذه التعديلات والاعتداءت التي أصبحت تكتب في المناهج؛ هناك إزدواجية واضحة بالاستخدام والكتابة، علينا سرعة المبادرة بالعودة للنظام السابق من حيث التعليم والاستخدام، فمن وجد مشكلة المناهج بأرقامها اللغوية، عليه مراجعة فورية لحساباته، لأن تصفح المواقع اللغوية ييرز إنقساما واضحا بين المهتمين، وكان أسهلها الإعتراف أن هذه الحروف هي هندية وليست عربية أصلية، ولكنني أرى أنها الأنسب لتاريخنا الذي ساهمت لغتنا العربية بالمحافظة عليه.

الاعتداء المبرمج الخطير على توظيف تغير المسميات للأشهر العربية التي نستخدمها منذ البدايات، فقد درجنا على استخدام أسماء الأشهر بالترتيب اللغوي ممثلا بشهر كانون الثاني، شباط، آذار، نيسان، أيار، حزيران، تموز، آب، أيلول، تشرين الأول، تشرين الثاني، وكانون الأول، حتى أمثالنا اللغوية والعامية قد ارتبطت ببعض هذه الأشهر مثل شباط ما له ارباط، «راح شباط وضربناه على قفاه بالمخباط، فاستنجد شباط بآذار «المستقرضات» وقال له: آذار يا ابن عمي، أربعة منك وثلاثة مني، ترد العرب (الأعراب) إلى مشاتيها» فظلت الدنيا ترعد وتمطر أسبوعا كاملا وسالت الوديان التي جرفت البيوت وفراشها وأحواشها وأغنامها واضطر القاطنون للعودة إلى المشتى وحرقت المخباط كي تتدفأ عليه، وهناك كذبة نيسان، أيلول ذنبه مبلول وغيرها من الحكايات التي ورثناها بمحبة، فكيف لهذه المفردات أن تتحول لرموز مترجمة حرفية عن اللغة الإنجليزية وتصبح البديل الواقعي بالكتابة والتعلم والاستخدام، وهي بالترتيب من الشهر الأول بالسنة: يناير، فبراير، مارس، ابريل، مايو، يونيو، يوليو، أغسطس، سبتمبر، اكتوبر، نوفمبر، ديسمبر.

يضاف لهذا الخطر الذي بدأ ينخر بهيكل اللغة العربية، فهناك خطورة موازية في الظل وتتمثل بمجموعة من التحديات، بعضها ينتشر بشكل كبير في المجتمعات العربية، ويؤثر بشكل سلبي عليها، حيث يقلل من وجودها في الواقع اللغوي المتداول بين أهلها، ولعل أهم هذه التحديات هو الانتشار الكبير الذي أصبحت تعرفه اللهجات المحلية أو اللغة العامية في حياة المجتمعات، وفي وسائل الإعلام بشكل كبير جدا، الأمر الذي يهدد اللغة الأم ويجعلها في درجة أقل ومستوى ثاني، ويتجلى الخطر الأكبر لهذه الظاهرة في محاولة نقل اللهجات العامية من المستوى الشفوي إلى المستوى الكتابي، الأمر الذي يؤدي إلى تجسيد لغة ثانية تفتقد إلى القواعد الكتابية والإملائية والصرفية بسبب سهولة نطقها مع بعض الحركات الجسدية التي ترصف طريقها للأذن والعين بسبب إعادة جدولة وترتيب، خصوصا بتوظيف الحركات الجسدية لأهداف تجارية، ضمن منافسات غير عادلة، يمهد لها الانحدار المبتذل بالأغاني السوقية، ذات المساحة والجمهور، خصوصا بين فئة الشباب الذين يبتعدون بقاربهم بتسهيلات لغوية تمطرهم.

يجب القول ان اللغة تمثل وعاء الفكر والتجارب الانسانية عبر التاريخ، فهي التي حملت أحلام البشر وسجلت تطلعاتهم في رحلة وجودهم من البداية وحتى النهاية، الأمر الذي حذا بعلماء التاريخ إلى اعتبار ظهور الكتابة والحرف أحد الأركان الأساسية في اللغة بداية للعصور التاريخية، فـ بفضل ابتكار الحروف تطورت اللغات وتمت حماية التاريخ البشري من الاندثار، واللغة العربية تمثل إحدى أهم اللغات الانسانية التي استمرت لقرون طويلة، والتي استطاعت احتواء الانجازات العربية والاسلامية عبر القرون الطويلة، غير أن المخططات التخريبية الممنهجة من طرف بعض القوى السياسية الخارجية والداخلية، إضافة إلى آثار العولمة وانتشار العامية أصبح يقلل من أهمية اللغة العربية ومكانتها في المجتمعات العربية والإسلامية، الأمر التي يقتضي التصدي له ومواجهته، وعلينا التذكر دائماً، أن أجمل وأروع أنواع الهندسة في العالم أن تبني جسراً من الأمل على نهر من اليأس، واقع يدعونا للتفاءل بمستقبل هذه الأمة ولغتها، بالرغم من الجهود التي صرفها الغير لشرذمة اللغة وأهلها وللحديث بقية.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress