محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

مضغ الكلام!

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
سليم ايوب قونة

لا تقتصر أسباب انتشار ظاهرة الثرثرة في المجتمع، على كثرة الثرثارين فيه فحسب، بل على عدد الناس الذين يكونون عرضة لهذا النوع من التخاطب الاجتماعي.

وإذا كان لا بد من وضع اللائمة على جهة معينة في انتشار أية ظاهرة سلبية في المجتمع، فهي لا تقع علي الجهة أو الفئة التي تمارس هذا التصرف المرفوض عرفاً فقط، بل تشمل جمهرة المستهدفين، مثلي ومثلك، مع هكذا ممارسات، تماماً مثل انتشار «مهنة» التسول. فلولا كثرة الذين يتعاطفون، بحسن نية طبعاً، مع المتسولين «المنظمين» على اتساع خريطة الوطن، لما استفحلت هذه الظاهرة بهذا الشكل الذي بات مؤرقاً!

يمكنني القول أيضاً إن «الثرثرة» كانت الحاضنة الطبيعية لظهور فن «البروباغاندا» في مجال السياسة والإعلام، لأن كليهما، الثرثرة والبروباغندا، تقومان على مبدأ الإسهاب في إلقاء الكلام وتكراره، مع الحرص على انتقاء أجزاء من الحقائق، وشحنها بالمبالغة والتهويل في الاتجاهين، سلباً وإيجاباً، للوصول للهدف المنشود، ألا وهو جذب اهتمام المستمع والمتلقي، كحال ذلك القروي الذي لم يكتف بنقل خبر نفوق البقرة الحلوب العائدة لمختار القرية المجاورة لأبناء قريته، بل عمد بعد ذلك إلى المبالغة في وصف ما حدث وادّعى أن البقرة انتحرت، كما لو أنه كان شاهد عيان أثناء وقوع الحادثة، لأن المختار إياه، كما تبين لاحقا، كان قد رفض تزويج ابنته لابنه، فكانت هذه الحالة نموذجا رائدا في فن «البروباغاندا» الشخصية، التي ظلت تعتمد حتى الأمس القريب على النطق باللسان فقط، إلى أن ظهرت وسائل التواصل الإلكترونية متعددة الأشكال والأغراض التي نعرفها اليوم.

وكم من مرات تتجه أصابعك تلقائياً نحو مربع الإعجاب بما ينشره بعض «الأصدقاء» على منصاتهم الشخصية، وأنت في قرارة نفسك تدرك جيدا أن ما رأيته أو قرأته على صفحة ذلك الصديق «الافتراضي» لا يعنيك، من قريب أو بعيد، لكنك تفعل ذلك من باب المجاملة والمعاملة بالمثل، كبقية خلق الله، لأنه من غير اللائق أن تعبّر عن شعورك السلبي أو معارضتك لما يثرثر به «الاصدقاء» من على منابرهم! فأنت، شئت أم أبيت، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من هذه المنظومة التفاعلية والثرثرة البروباغاندية واسعة الانتشار، التي أدّت، ضمن ما أدّت اليه، إلى قطع أو تأرجح حبل التواصل الحقيقي المباشر، حتى بين أفراد الأسرة الواحدة إذا ما اجتمعوا حول مائدة الطعام، أو ضمن حلقة الأصدقاء المصغّرة في المقهى أو النادي!

لماذا نفعل ذلك؟ وكيف وصلنا إلى هذه الدرجة من النفاق الاجتماعي المكشوف وهدر الوقت؟ وأحيانا الوقوع في مواقف محرجة ومكلفة كحالات التغوّل والابتزاز المتكررة؟ فهو السؤال المحيّر الكبير الذي يواجهنا جميعا كمستهلكين، بالرغم من إدراكنا التام بأن بضع شركات عالمية هي التي صنعت هذا الفضاء اللامحدود لتمكيننا من التعبير عن آرائنا وأفكارنا ومشاعرنا، والتنفيس ربما عن بعض إحباطاتنا..!

رحم الله ثرثرة أيام زمان التي ظلت محدودة في نوعها وكمها وأثرها وتكلفتها، دون أن تتجاوز أطراف القرية أو الحارة الواحدة. أما اليوم فحياتنا باتت أسيرة إيقاع ثرثرة إلكترونية كونية، تجاوزت كل الحدود وقلبت الكثير من الموازين، وترتبت عليها تبعات كثيرة تتربع على قمتها نفقات تقدر بالمليارات تذهب جلّها لجيوب حفنة من الأفراد، لا همّ لهم أو شاغل سوى ابتكار أساليب جديدة «للثرثرة»، حتى تاهت بوصلة أولويات بعضنا بين الحاجة لمضغ الطعام ومضغ الكلام!

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress