كتاب

سكان عمّان

لم يتكاثر سكان عمّان فجأة، ولا يجوز تبرير تضخمها «السرطاني» فقط بموجات اللجوء من بعض دول الجوار التي شهدت أزمات داخلية وتدخلات خارجية، مثل سوريا نتيجة الحرب الأهلية، والعراق بعد الغزو الأميركي وما سبقه من حصار غير مسبوق، ولا ننسى أن الهجرات الفلسطينية الناجمة عن الاحتلال الصهيوني، لعبت دوراً مهماً في توسع عمّان وتطورها.

من الشجاعة الاعتراف بأن هناك سوء إدارة، وفوضى تخطيط في توسع المدينة، بدأ منذ ثمانينيات القرن الماضي، كان محركها الرئيس تجارة الأراضي التي قفزت أسعارها بأرقام فلكية وكأن في باطنها ذهبا! ولا يغيب عن ذهن المراقب أن نمو هذه التجارة، وما تدره من أرباح تعادل أضعاف القيمة الحقيقية للأرض، كانت مرتبطة بتسرب معلومات حول التوسع التنظيمي وما يترتب عليه من وصول الخدمات!

في 30 نيسان الماضي أعلن أمين عمان يوسف الشواربة، أن عدد سكان العاصمة أصبح نحو 4 ملايين نسمة، ما نسبته 43 بالمئة تقريبا من سكان الأردن، وهو ما تسبب بالضغط على البنية التحتية والخدمات، هذا التصريح جاء ضمن كلمة وزير الأشغال العامة يحيى الكسبي أمام اجتماع للجمعية العامة للأمم المتحدة في ذلك اليوم، نيابة عن أمين عمّان، تحت عنوان «تقييم الأجندة الحضرية الجديدة».

من يسكنون عمان اليوم يدركون، بالمعايشة اليومية، بأن الغالبية العظمى من سكانها قدموا من المحافظات والأرياف والأطراف، إما بحثاً عن فرص عمل وتحسين ظروفهم المعيشية، حيث تتركز في العاصمة أهم الأنشطة والمرافق الاقتصادية، من صناعة وتجارة وخدمات، وشريحة أخرى ميسورة الحال هربوا إليها من الأطراف، لأنها كما ذكرت تستحوذ على خدمات أفضل، وتوجد فيها أهم الفعاليات الثقافية والفنية والترفيهية.

كل ذلك كان نتيجة فقر المحافظات الأخرى ونقص المشاريع التنموية فيها، وبالتالي نقص فرص العمل وتدني مستوى الخدمات فيها، وكان أمراً طبيعياً أن تختنق الحياة في عمان بهذا الازدحام المهول في أزمات المرور، ويصبح إصلاح البنية التحتية وإيصال الخدمات إلى مناطق التنظيم الجديدة، التي امتلأت بالمجمعات السكنية أشبه بعملية «ترقيع» قميص تآكل من كثرة الاستخدام! ولا إمكانية لتجديده أو تغييره، ولنتمعن بمشروع الباص السريع الذي مضى على بدء العمل به نحو 11 عاماً ولم يكتمل بعد، وعندما بدأ التشغيل التجريبي لوحظ وكأن الأزمة المرورية تفاقمت، بعكس الهدف من إنشائه وهو امتصاص الاختناقات المرورية وتحسين مستوى خدمة النقل العام!

ما أكثر التصريحات والأحاديث عن الاستراتيجيات والخطط في مختلف القطاعات، فورد في كلمة وزير الاشغال مثلاً «إنَّ الحكومة الأردنية، التزمت بتنفيذ أهداف التنمية المستدامة حتى عام 2030، واتفاقية باريس للمناخ»، وفي كلمة الشواربة ورد «إن أمانة عمان الكبرى تسعى بشكل متواصل لتحسين أدائها ورفع مستوى خدماتها من خلال ربط خططها الاستراتيجية مع أهداف التنمية المستدامة والخطة الحضرية الجديدة»، ويا ليت هذه الخطابات والتصريحات تتجسد في برامج عملية يلمسها المواطن.

theban100@gmail.com