كتاب

«أوديسّا» ولَعنةُ الأساطير.. ومقاديرُ المَشرق

ذكرتُ سابقاً، إنه بعد احتلال الروس لماريويول (2022)، فسيصبح بحر آزوف بحيرة داخلية روسية، مع اتصال برّي للأراضي الروسية مع شبه جزيرة القرم، التي تم احتلالها في العام 2014. واليوم، تبدأ القوات الروسية حملة عسكرية جنوبية، باتجاه أوديسّا. فما معنى ذلك استراتيجياً..؟

إذا نجحت القوات الروسية في السيطرة على أوديسّا، بعد أن قامت بتأمين العمق البريّ للقرم في خيرسون، فإنها تحقّق هدفاً استراتيجياً ثانياً، بالغ الأهمية، أكثر من تحويل بحر آزوف إلى بحيرة داخلية روسية. ذلك أنها تكون قد قطعت أوكرانيا تماماً عن الاتصال بالبحر الأسود، شديد الأهمية بالنسبة للأمن القومي الروسي. بل وتكون بذلك قد خفضت عدد الدول المطلة على البحر الأسود، لتصبح؛ روسيا، تركيا، جورجيا، بلغاريا، ورومانيا، ولتكون أكبر دولتين مشاطئتين لذلك البحر هما؛ روسيا، وتركيا، على التوالي. هذا فضلاً عن إقليم «ترانسنيستريا? الواقع شرق نهر «دنيستر»، في جمهورية مولدوفا، والذي يحكمه عسكر روس ويطالبون بالانضمام إلى روسيا، منذ العام 1990.

وأوديسّا هي مقاطعة ومدينة أوكرانية، تقع على ساحل البحر الأسود الشمالي الغربي، ويتكلم أهلها اللغة الروسية، وتبعد عن العاصمة كييف نحو 750 كم. وترتيب أوديسّا هو الثالث بعد مدينتيّ كييف وخاركيف، من حيث عدد السكان، وتعتبر العاصمة الاقتصادية والسياحية.

تأسّست مدينة أوديسا عام 1794، بموجب مرسوم من الامبراطورة كاترين العظيمة، وذلك بعد هزيمة الدولة العثمانية في حربها الكبرى مع روسيا عام 1792. منذ العام 1819، ولغاية العام 1858، كانت أوديسا ميناءً حرّاً، وخلال الحقبة السوفياتية، كانت أهم ميناء للتجارة في الاتحاد السوفياتي، وقاعدة للبحرية السوفياتية. وفي مطلع العام 2000، أعلِنت أوديسا ميناءً تجاريّاً حرّاً، ومنطقة اقتصاديّة حرّة لمدّة 25 سنة. في القرن التاسع عشر، كانت أوديسّا رابع أكبر مدن الامبراطوريّة الروسيّة، بعد كلٍّ من موسكو وسانت بيترسبورغ ووارسو. أما أ?نيتها المعماريّة التاريخيّة، فهي أقرب إلى أبنية البحر المتوسط منها إلى الروسيّة، بعد أن تأثّرت بشدّة بالأساليب الفرنسيّة والإيطاليّة.

على الرغم من كون أوديسّا مدينة أوكرانية، إلا أنّ أغلب سكّانها من أصل روسيّ، ويوجد فيها عدد كبير من اليهود. وتشتهر بكونها مدينة صناعية وزراعية. ويوجد في أوديسّا مرفآن، هما؛ مرفأ أوديسا، ومرفأ يوجني (وهو أيضاً مرفأ نفطيّ مهمّ على المستوى العالمي).

تنتمي المدينة والمقاطعة إلى ثقافة مدينة (الأوديسّة اليونانية)، إحدى روائع الأدب العالميّ. وهي ملحمة شعرية، وضعها هوميروس في القرن الثامن قبل الميلاد. وتتكوّن من أربعة وعشرين جزءاً. حيث تبدأ الملحمة من منتصف القصة، ثم تروي ما حدث بالبداية وتنتهي بوصول البطل إلى الجزيرة. إذ تبدأ قصة الأوديسة بعد نهاية ملحمة الإلياذة. وتروي قصة عودة أحد أبطال الإلياذة، وهو أوديسيوس ملك إيثاكا، الذي كان صاحب فكرة حصان طروادة. كما تروي الملحمة قصة بينيلوبي زوجة أوديسيوس. فالملحمة تنطلق بنهاية حصار طروادة، وبدء عودة المحاربين إل? بيوتهم، ولكن بسبب غضب إله البحر بوسيدون (بوصيدون) على أوديسيوس، تمتلئ رحلته بالمشكلات، التي يضعها في طريقه بوسيدون، أو بسبب تهوّر بحّارته. يتبقّى في رحلته مدة عشر سنوات، يواجه خلالها الكثير من المخاطر، وطوال تلك الفترة تبقى زوجته بينيلوبي بانتظاره، ممتنعة عن الزواج، على الرغم من العروض الكثيرة التي تتلقّاها، خاصّة بعد وصول أغلب المحاربين في حرب طروادة ما عدا زوجها. تنتهي الملحمة بوصوله إلى إيثاكا وقيامه بالانتقام من الذين اضطّهدوا زوجته خلال فترة غيابه.

في برّ أوديسّا وفي بحرها، لم يتبقَّ هناك وقتٌ للنبلاء، ولا للساحرات، ولا لوحوش العين الواحدة. وحتّى أصوات الأسطورة الساحرة، فتأخذها الحكايةُ إلى مقادير المشرق المنكوب.

وعلى الرغم من كل ذلك، فهي أوديسّا اليوم، وهي أوديسّا البارحة، وهي أوديسّا الأساطير، وهي أوديسّا الواقع، الذي يقف على حافّةٍ رَجراجةٍ من محطّات التاريخ. منها، تستمدُّ أوروبا اليوم دِفأها بالنفط الروسيّ. ومنها أيضاً، استمدّت أوروبا الأمس البعيد آلهةَ أساطيرها، التي تتربّع، إلى اليوم، على قمم الأولومب. وها هي تعودُ من جديد، تُلوِّحُ للبشرية بِرُعبِ أساطيرها. يداعبُ مصيرُ القِرمِ قفصَ صدرها البريّ، وتُلقي به الريحُ إلى بحرٍ أسود. وينزع التاريخُ (يالطا)، كحبّة كُمّثرى، ويقذفها في عين الشمس..!

fafieh@yahoo.com