كتاب

صديقي.. بائع اليانصيب

كان.. يقف أمام لوحة عرض تذاكر اليانصيب التي نصبها على رصيف مكتب بريد جبل اللويبدة، حيث كنت أتردد كل سبت لأخذ ما يردني من رسائل. استمر حجّي إلى ذاك الجبل في ذات الموعد حرصًا منّي على إدامة العلاقة مع الجبل، والذي توطَدت خلال سكناي فيه في بداية السبعينات شابًا خريجًا جديدا ملكني رقي وهدووووء الجبل. و ذكريات حلوة فيه.

من خلال ترددي على مكتب البريد... تحية الصباح لمن يقف على بوابته يبيع اليانصيب؛ لفت انتباهي.. توطّدت معرفتي به خاصة وهو من أهل الحبيبة (مصر)؛ التي استضافتني خمس سنوات تلقيت فيها العلم (مجانًا)، هكذا كانت أرض الكنانة تعلّمنا نحن العرب في جامعاتها. سلام فكلام فلفت انتباهي رقّي الرجل وماضٍ مهم له لم نعرفه؛ يلفت الانتباه في هدوئه ورقيه وصمته و ثقافته ومحبة أهل الجبل له سواء كانوا من زبائنه أو من سكان الجبل أو ممن يعبرون من خلاله.

كانوا يقفون يحيونه بغض النظر ابتاعوا ورقة يانصيب منه أم لا... صباح الخير يا (أبو محمد) فيردّ بأحسن منها، ويسأل عن مريض لهم أو ماذا تم في مشاكلهم. كان الرجل بحكم عمله كثيرًا ما يقضي النّهار واقفًا في الحرّ في البرد... هي رزقته.. لديه ثلاثة كراسي، اثنان يصطفّا بجانب نصبته على الرصيف له وللأعزاء من زواره سواء ابتاعوا ورقة يانصيب، أم لا وقد أصبحت واحدًا منهم.

أحيانًا أصادف على الكرسيين أساتذة جامعات محامين فنانين ومثلي مهندسين.. يصرّ على دعوتي للجلوس ويرفع الكرسي الثالث وقت الزحمة من على طرف الشارع والذي كان يضعه منعًا لوقوف مركبات أمام نصبته وهو مكان ممنوع الوقوف فيه. تعرفت من خلال جلساتي على أفاضل كثيرين.. كنّا نتناول معه أي موضوع تاريخي ثقافي. وكثيرًا ما كان ينشغل عنّا في رزقه لنكمل حديثنا..!!

كان الرجل متحدثًا عندما يتكلّم لكنه كان... قليل الكلام. كان يحسن الاستماع (الإنصات).. يقاطعنا أحيانًا مارر طريق يسأله عن مكان فيتركنا ليدله عليه. تمرّ سيدة فاضلة تسأله عن موضوع كلفته فيه فيرد عليها باحترام.

كبرنا وكبر الرجل، أصبح يعاني من آلام ربما بسبب وقوفه ليل نهار في ذاك المكان، لم ينقطع عن عمله طيلة تلك السنين. أصبح معلمًا من معالم الشارع بل الجبل، معروفاً لدى أهله وقد أصبح منهم. كنّا نراه ونرانا يزداد الشيب فينا. لم أنقطع عن اللويبده رغم سكناي بعيدًا عنه. ففي كل ركن فيه؛ لي..ذكرى حلوة جميلة. أمرّ أمام القصر الأحمر (بيت يعيش) بيت عمّي رحمه الله؛ فأشم عبق الزهور فيه... زمان. ثمّ إلى البريد بعده على كرسي في ديوان العزيز أبي محمد.. عالرصيف وإن لدقائق.

فجأة.. اختفى (أبو محمد)... بائع اليانصيب، رفيق الرصيف وفنجان قهوة كثيرًا ما يطلبه لي بدون علمي ولا يقبل احتجاجي. اختفى أبو محمد... رحل إلى بلده فجأة وهو الذي لم يغادر الأردن منذ سنين طويلة، بل من يوم أن عرفته. كنّا بلده الثاني. رحل وبلا وداع، وبقيت نصبته لوحته خزانة أوراقه وأسراره مكانها مغلقة... وعلى الرصيف، لكن بدون بائع اليانصيب... العزيز (أبو محمد). أتمنى لك الصحة والعافية... أينما كنت. نحن نفتقدك.