محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

والدي الذي رحل للسماء

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
د. كميل موسى فرام

تتزامن ذكرى وفاتك يا والدي اليوم، مع نسائم عيد الفصح المجيد، مساحة تحتاج منا للتدبير، فراغ لم نتمكن من إشغاله منذ ثماني عشرة سنة، حين تعجز الكلمات عن ترجمة المشاعر بين لوعةٍ وفرح، ليجف مداد القلم في وصف حزنٍ لا يطوله حزن، برحيل والدي بصمت قبل سنوات، فقدنا معطف الحياة الذي وفر لنا ستارة واقية من براكين الزمن، رصيداً ومصدر الهام للقادم، لنصبح أمام واقع علينا الاعتراف بفعالياته، واقع يصعب علينا تحديد إحداثياته، محصوله فيض من المشاعر حبيسة جدران القلب، فلا بوح ولا كلام، صمت بدجة الوفاء، ولا حتى الصمت بات يُجدي، فتخرج تنهيدة من الجوف، حارة بدفء المكان، والكلمات أسيرة لذكريات، لا تعبر عنها حروف اللغة مجتمعة؛ لغة القلب بدمعته، العين بنزفها لدماء الوفاء، واللسان بأوتاره على استحياء؛ هناك خفقات تنبض على سيمفونية الحب والعطف لمدرسة رسخت مبادئ الحياة، لسان ينطق حروفا وكلمات تتقاطع بمحتوى المحبة التي رضعناها، عينا وتضاريس وملامح ترسمها الوجنات، تحكي حكايات وحكايات؛ وبين ابتسامة وأمل، ورؤية لغـدٍ جديدٍ متجددٍ، تتوقف بوصلة الزمن، تتوه الكلمات وتتساقط أوراق الذكريات لحقيقة الواقع، الذي يجسد معنى الانتماء واليقين، لنعترف بحالنا؛ عجزٌ عن رثاء هرم ماثل في أعمارنا كان له الفضل برصف طريق النجاح بعد كفاح وتضحيات؛ حكيما وشيخا بكل ما للكلمة من معنى ووصف، استحقها بجهاد وتضحيات، لنعيد اليوم شريط ذكريات عمرية للأسرة والأفراد، لن نسمح للزمن بطي صفحاتها بالتقادم، حيث كنت يا والدي البطل الحقيقي لأحداثها؛ مخططا وممولاً، نبراسا شامخا نهتدي به ونلتف حوله، واقع ندرك معناه، لن تطويه الظروف، لن تحوله لذكرى نستذكر فيها مناقب ومواقف، بل ستبقى الشمعة التي تضيء دروبنا لأن روحك ماثلة فينا، نستهدي بها، نستلهم منها، لتعيش فينا ما حيينا.

والدي الحبيب: أخاطبك لأستمع لنصيحة كما عودتنا، لأجد ذاتي ونفسي أمام مرآة الحقيقة؛ وأذكر بعنفوان تضحياتك وعطاءك الذي توّجت به رؤوسنا نحن الأبناء والأحفاد، لأن الراحلين الى السماء يتركون شوقاً لا تطفئه السنين وذكرى لا تمحوها اشغال الحياة، لتجعل من سيرتك ومسيرتك، مرجعا لأبجديات الحياة الكريمة، ستوثق للاستشهاد بمحتواها في العبرة والقدوة، فقد عشت يا والدي مخلصا للقيم والاخلاق والأعراف التي نشأت عليها؛ مطيعا، محبا، طموحا، قانعا، مثاليات نادراً أن تجتمع بواقع شخص واحد، لكنك الرضي الوفي، الذي زرعها، فكانت وبقيت دستورا لم يحد عنه طوال العقود التي طويتها من حياتك الحافلة بالجود والنبل والعطاء. عندما أستعرض شريط الأحداث للسنوات، أراهن أنني سأعود غدا لألقاك بانتظاري تمهيدا لبرنامج دأبنا عليه، ووعد قطعته على نفسي عندما ذهبت ببعثتي لأستراليا، وهناك جزء من فقرات الوعد لم ينجز، لأعترف اليوم أنني لا اتقن فن النحيب أو التعويل، بل اتقن فن التحليق عالياً للملمة فقرات الكبرياء، فلن أُسْقِطَ حلمي بالتقادم أو إنطواء صفحات الأيام، لانني ان أسقطت، سيسقط معي جيل باكمله يؤمن برسالتك بتكوين العائلة وبناء مستقبلها، لنرد بعض دين باستمرار التحليق عاليا كما أردت لنا، فأنت لم تمت، بل غبت عن العين، تمنيت حضورك يوم زفاف «فرح» الأسطوري، حديث الناس والوطن، بمشاهدات تتزايد وكلمات تنصف الجد والعائلة.

الموت حقيقة مؤلمة غير مرحب بها بأي ظرف أو توقيت، واختلاط الدموع بشذرات الألم والأسى، تجعل من الحزن سيد الموقف ومسيطر المكان، فلا الكلمات تداوي الجراح، ولا الصراخ والبكاء يوقف النزف من قلوب الأهل والمحبين؛ الموت نهاية حتمية ونعمة ربانية، يصعب توقيتها أو برمجتها بظروف الواقع، تفتح سجى الذكريات والمناقب بهدف تلطيف وقع الأسى، فيذكر المرء بما أنجب وأنجز، شاهد حماية للمسيرة، قد تتعثر الأحرف والكلمات، تتنافر المعاني بين سجع وطباق، لبركان الصدمة الكبيرة التي ودعناك فيها، واقع أدمعني وألزمني صمتا غير معتاد، جلست أمام صورتك المقرونة بكلمات رثاء مؤثرة ليفرض الموقف فتح سجل الذكريات، بعد أن احتضن تراب الوطن الجسد، لنجلس بظلال العطاء نستعرض شريط الذكريات بما تسعف الذاكرة. لك في الوجدان صورة لن تطاول مجدها سطوة الغياب لأنك قطب الجدل الذي سيظل بيننا معيارا للنخوة والصحوة والمواقف الجريئة الحرة.

أناقش ذاتي وأحدث نفسي بقول وحقيقة: الآباء يرحلون تاركين لنا أماكنهم شاغرة لا يملؤها أحد سواهم، يأخذون معهم جزءا من الروح، ويتركون لنا الحنين والذكرى، وحين يأتي واقع الفراق، يتوقف كل شيء من حولنا ويمضي العمر بخطى ثابتة، نحاول بقدر أن نتعايش بدون وجودهم مع أنهم يحيون بداخلنا، نذوب في العالم من حولنا لكي ننسى أنهم رحلوا، وليت النسيان كان ضيفا يأتينا حين ندعوه للمجيء، فكيف لقلب مليء بالذكرى والحنين أن توجد فيه مساحة ومتسع للنسيان؛ العظماء لا يرحلون، بل يتركون لنا أجزاء منهم تحيا بداخلنا، فالمحبة أقوى أصناف الشوق، تتغذى بالصدق.

لا زلنا نذكر تفاصيل ملامحك، ابتسامتك، ضحكتك، أسلوبك، صوتك، بصماتك التي لن ننساها أبدا، ولا زلنا نبحث عن الدفء بين أحضانك ونبحث عن عينيك التي تراقبنا وتوجهنا وترشدنا. حقائق حياتنا اليوم مزيج من الحزن والحب المتدفق في جوانحنا منذ ساعة فراقك، فوجدنا للحزن طريقاً آخر لم نسلكه من قبل ومساحة أكبر من اعتقادنا بأن لدينا مقدرة في التغلب عليها، فكيف لنا أن نبوح لمن فارقنا بمقدار ذلك الحب، عندها أيضاً تلتهب الحروف بين أناملنا حزنا وتتفطر القوافي بين أوراقنا رثاء، فلم نبكيك وحدنا بل بكتك معنا صنائع ما بذلت من معروف وما أعطيت من عطاء فرحلت ولمحبة الناس في قلبك الكبير مكان هو أمانة ودين بأعناقنا ووسام يزين هاماتنا، الموت إرادة الله لا نملك شيئاً امامها؛ لكل شيء نهاية ونهاية هذه الحياة الممات، الذي يفجعنا ويعطينا فرصة لمراجعة الذات، لعلنا ندرك أن الموت لا يعطي إنذاراً، واقع يلزمنا أن نسأل عن بعضنا، فلا أحد يعلم متى سيكون اللقاء الأخير أو المكالمة الأخيرة، حيث سيكون الحضور لأدب الندم ولن ينفع، وأهمس قبل أن أنهي بأن الحفيد «موسى» يسير على الدرب بالتميز، وفاء للعهد والوعد، فلك الرحمة ولنا العزاء، نعايدك في السماء مع القديسين والملائكة وللحديث بقية.

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress