كتاب

في مَعنى «الأقصى؛ وحَرَمِهِ ومَساجده وأسواره وعُمرانه»

في حروب ما قبل التاريخ، كان أسرُ النفوس يرتبط بحتمية أسر الأجساد واستباحة الأموال. وفي تلك الحروب، كانت تُختطف آلهةُ الشعوبِ المهزومة، وتُمهَرُ بنقوشٍ تُثبت هزيمتها، ثم إعادتها لأصحابها في مرحلة لاحقة، مَمهورةً بشروط الهزيمة.

مع بدء التاريخ المعروف، قبل نحو ألفي عام، كانت معظم حروب ذلك العالَم، مقدّسة، أيّاً كانت أسبابها الفعلية. وهو ما استمرّ حتى العصور الوسطى، وكان آخرها ما عرفه العرب باسم «حروب الفرنجة؛ أو الصليبية»، التي ما تزال آثارها عالقة في الثقافة الشعبية إلى اليوم.

في القرن السابع عشر، كان أعضاء البرلمان الانجليزي يستشهدون بنصوص من التوراة، عند دفاعهم عن قضية ما. وفي القرنين الثامن والتاسع عشر، كانوا يستشهدون بأقوال «فلاسفة وأدباء اليونان والرومان». أمّا في القرن العشرين، فإنّهم كَفّوا عن الاستشهاد بأقوال أحد..!

ذات زمان، حين احتدم الحوار الحضاريّ حول المَشرق، طالَب الروائي الأسكتلندي «روبرت ستيفنسون» بتغيير سؤال «مَن الذي بدأ الشر؟» إلى سؤال «ما سبب الشر؟». وخاطبَ رجالَ الدين قائلا: ».. أنتم تعلمون أنّ معظم الناس يقولون إنّ آدم كان السبب ببدء الشر والخطيئة. ولكنّ آدم، كما تذكرون، كان يقول «إنّ السبب في ذلك هي حواء المرأة، وإنّها هي البادئة، لأنّها اقتطفت التفاحة الممنوعة، غير أنّ حواء ادّعت أنّ الحيّة أغوتها، فالحيّة إذن هي المسؤولة المباشرة عن الشرّ. ومنذ ذلك الحين وأنتم، أيّها القُسيسون، مقتنعون راضون عن السبب؛ إنّها الحيّة، أي الشيطان. وأمّا أنا، فأريد أن أبرهن لكم، أنّ التفاحة ذاتها هي السبب».

من المألوف أنّ يتسبّب أيّ حوار، حول المَشرق العربيّ، بفتح قريحة حوار الحضارات والأديان، حول «مَن بدأ الشرّ في جنّة عدن». ذلك السؤال الذي علّق عليه يوماً الألماني «توماس باور» قائلا: ».. ما دام هناك ثمرة شهيّة متدليّة من شجرة في جنّة عدن، فإنّ قطافها سيُغوي أحدَ الناس. وهذا هو السرّ في تورّط منطقة الشرق الأوسط في الشؤون العالمية. فلقد كان في هذه المنطقة، التي هي جنّة عدن، بكلّ ما في المصطلح من معنى، تُفّاحٌ شَهيٌّ، يودُّ كلّ امرىء أن يقطف منه؛ تجارة يحتكرها، وموارد طبيعية يرغب في تطويرها والانتفاع بها، ومناطق يريد بسط نفوذه عليها.. ولأنّ العوامل الجغرافية تعمل عملها في هذه المنطقة، فشعوبها لم تستطع يوماً أن تتصرّف بشؤونها حرّة طليقة، دون أن تُكدّر صفو عيشها مصالح الدول العظمى». ولهذا، لم يكن غريباً أن يكتب الألماني «أرنست جاخ»، في وقت كانت فيه أسباب الحرب الكونية الأولى تتصاعد، قائلا: «إنّ الحرب تأتي من الشرق، وستندلع بسبب الشرق، وتُحسم في الشرق».

من «خليج الاسكندرون»، على أعلى الكتف الشرقي للمتوسط، وحتى «غزّة»، يمتدّ أخطر وأهمّ طريق للحضارات والحروب في التاريخ، وهي الطريق التي سلكها الاسكندر المقدوني في زحفه نحو مصر قبل الميلاد. على تلك الطريق، التي سلَكها الإنسان قبل التاريخ المدون، وتلته الشعوب، شعبٌ يتلو شعباً، وجيشٌ يتلو جيشاً، أقام الانسانُ على جوانبها «مزارات ومقامات مقدّسة»، وبيوتاً لآلهة دانَت بها أعراقُ البشر المختلفة وقدّستها. وعلى كثرة مَن تغبّرَت أقدامُهم بترابها، صارت طريقاً أمميّة، لتدوسها أقدامُ الفاتحين، ولتُسرع عليها خُطى أقدام المهزومين المغلوبين.. إلى أن غَدت طريقاً لصناعة التاريخ.

وعليه، فليسَ غريباً أن يتكَثّف «الأقصى» بـ«حَرَمِهِ ومَساجده وأسواره وعُمرانه» كَرَمزٍ لهويّة الفلسطينيين ومظلوميتهم وعذاباتهم، وإلى أمّتهم وشعوبها، طوال أكثر من مئة عام.

fafieh@yahoo.com