محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

مناجاة مع الذات

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
نادية ابراهيم القيسي

نيسان.. ها أنت تعود في كل عام.. يقترب ثُلثك الأخير.. فيتدفق بحضورك صدى رنين أجراس العمر الممتد منذ ذلك الزمن البعيد.. بتناغمٍ أقرب ما يكون لترانيم موسيقى في طقوس بربرية غِناءها يستحضر كل تلك الذكريات المعتقة في قبوٍ سحيق مسكون بكل تلك الأطياف المتضادة المتجانسة بشكل مستهجن غريب و يجسدها في تنهيدات مسترسلة نُشدت بلحنٍ فريد..

«عدت يا يوم مولدي.. عدت يا أيها الشقي»..

منذ تلك اللحظات الأولى التي تستقبلنا فيها الحياة بضجيج مدوي معلنين فيه حضورنا القوي الصارخ.. لا نملك قراراً من نحن.. متى و أين ولدنا.. من أبوانا.. أو ماذا سنكون؟ فكثير هي المسلمات التي وجدنا عليها أنفسنا.. بلا حول منا و لا قوة لا نملك لأنفسنا فيها ضراً و لا نفعاً و حتماً لا نعلم متى نهايتنا وبأي أرض سوف نموت.

تزهو بنا الحياة باديءً ذي بدء و نحن نعيش لذة البدايات المتأججة بالمشاعر فهاهي أول خطوة.. كلمة.. يوم دراسي.. تخرج جامعي.. تكليف وظيفي.. هاهي أول نظرة.. بسمة.. دقة قلب.. أول قصة حب.. ارتباط من نوع ما.. وما يقابل ذلك أيضاً من الأحاسيس السلبية.. أول سقوط.. فشل ذريع.. صداقة أُنهيت.. علاقة دُمرت.. وقلب جريح يتألم.. كل هذه المشاعر الممزوجة بروح المغامرة الأولى–برغم مختلف الظروف البيئية المحيطة- تُرسخ في العقل الباطن المرجعية الأزلية للقياس و المقارنة لكل ما يليها من تجارب لاحقة.. وإن تنافى ذلك مع المنطق العقلاني في حيادية التعامل إلا إنها الطبيعة البشرية التي تكتسب خبرتها الذاتية في أغلب الأحيان بنظرية التجربة والخطأ (Trial and Error)؛ فكلما تكررت تجاربنا كلما قلت أخطاءنا وزادت خبراتنا في التعامل مع المواقف.. المعضلات والأفراد في حياتنا -على الأقل نظرياً- أما في الواقع أحياناً نجد أنفسنا وبكل بلاهة نكرر الأخطاء وننزلق في نفس المنحدرات التي أقسمنا أن لا نقترب منها ثانية لكننا فعلنا عندما حَكَّمنا الهوى و طمسنا صوت العقل الرشيد الراجح فعضضنا بالتالي أصابع الندم لنتعلم بعد ذلك في يومٍ ما بطريقة ما أن نكون أكثر عقلانية وأقل عاطفية.

يمضي بنا العمر.. نخوض معارك شتى على مختلف المستويات وبتنوع التحديات.. نسير في دروب الحياة.. ما بين فرح وترح.. مكابدة وانشراح.. نخطط بتمعن و تدبير و أحياناً نتخبط تائهين مغيبين وحائرين.. لا نعلم إلى أين تقودنا الخطى في عالم متغير بقدر ما هو شاسع نراه في أعيننا صغير..

فنحن في هذا العالم الجيل الذي عاصر الماضي حين كانت أبهى حُلَلِ التواصل فيه رسالة بريدية مطوية في ظرف أنيق مزخرف يحمل في طياته منديلاً معطراً بشذى رائحةٍ من الوطن.. نأمل أن يصل بقايا عبقها برغم طول المسافات لقلب مستلمها المغترب.. حين كانت أوراق الجرائد.. صحف ذات قدسية لا بهتان فيها فهي توثيقٌ للمصداقية.. وكُتابها هم صناع الفكر والأدب بمنتهى العبقرية.. فكانت القراءة الورقية شعائر طقوس يومية يرافقها فنجان قهوة صباحية نستمتع فيه بكل شفافية. نحن الجيل الذي مع الفجر كان يحث الخطى سيراً نحو المدارس.. ويغرف العلم من كؤوس المعارف العريقة الحقيقية.. نحن من عشنا التاريخ الحديث وكنا على العصر شواهد مع كل ما حدث فيه من حروب و كوارث.

في هذا العالم المتمرد نحن الجيل الذي واكب الحاضر.. وتأقلمنا مع كل ما تفجرت عنه التقنيات الحديثة وتطورات التكنولوجيا المتفوقة بتسارع.. حين أصبح العالم.. قرية صغيرة في فضاء افتراضي محكوم بشبكات تواصل متعددة إحدى بوابات دخولها قطعه بحجم الكف تسمى هاتف جوال.. يَغني بتطبيقاته عن أي وسائل اتصال.. فأصبحت الكتابةُ إلكترونية.. وكلٌّ يدلو فيها بدلوه.. ينقل ويروي الحقائق من وجهة نظره و مصالحه الذاتية. أصبحت المعرفة بضغط حفنة أزرار وهمية لتطل علينا آلاف المواقع بمختلف التوجهات والأفكار.. ونحن متلقون بلا تحليلات أو نقاشات مجدية. أصبح التعليم فاقداً للهوية.. وعلى منصاتٍ دراسية افتراضية لكل المراحل حتى الجامعية فأغنت عن ذلك الجهد الجهيد والسعي الحثيث.. لتذوق ثمار العلم والعمل بالطرق التقليدية. نحن الجيل الذهبي الذي مازج ما بين الأصالة والعراقة.. التطور والحداثة. جيل عاش كل المتغيرات بعقليات متفتحة مرتكزة على متانة النشأة القويمة وقوة الإرادة لتطويع ما يناسبنا ونبذ ما يخالف شرعنا و معتقداتنا.

وتوالت بنا الأيام.. مر من العمر ما مر.. إلى أن أفقنا ذات صباح.. فوقفنا.. أمام المرايا.. نحدق في ذهولٍ تام.. وتساؤلٍ وجل.. انعكاس من هذا..؟ متى حلت هذه الخصلات الفضية اللامعة قاهرةً سواد الشعر كضوء بدرٍ في كبد سماء ليلة صيفية.. يشع نوره مباهياً ها أنا ذا هنا برغم كل العتمة الحالكة؟ من أين غزت هذه التجاعيد فجأةً هذا الجبين الغض لتحفر فيه آثار الزمن و كل ما مر علينا من محن..؟ كيف تغيرت ملامح طفولتنا..؟ أَضاع ريعان شبابنا؟ كيف كنا.. وكيف أصبحنا.. إلى أين نذهب؟ كيف كان المسير حقاً.. هل حققنا ما كنا نطمح؟ هل انتهى بحثنا؟ هل آن الأوان لنكف السعي ونترجل؟ آلاف التساؤلات الذي يثيرها في دواخلنا.. مجرد رقم.. يشير لازدياد عامٍ.. تلو عام.. في حياة البشر. هل هو ناقوس خطر معلناً قرب حكم بالاعدام كموت بطيء.. تحت مسمى مت/قاعدين.. معتزلين العالم.. في قوقعة ذاتية بانتظار النهاية بلا أحلام أو أمل بغدٍ أفضل. أليس هذا شيء لا يعقل !!! نحن ما زلنا ها هنا على العطاء قادرون صامدون مثل شجر الحور راسخاً بكبرياء و شموخ.. بخبرات وتجارب لا تقدر بثمن.. واجب علينا أن نسقيها بمحبة لأجيال المستقبل. ما زال لنا أرواحٌ -برغم كل الخيبات و الانكسارات-.. تجاهد بحثاً عن سعادة تحياها.. تنسينا من خلالها كل زلات العمر. نحن ها هنا باقون بداخلنا كل اليقين بأننا يوماً ما سنكون كما حلمنا دوماً أن نكون.

اللهم اغفر لنا ما مضى و أحسن لنا فيما بقى. وارحمنا في الدارين برحمتك التي وسعت كل شيء رحمة و علما و الله من وراء القصد

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress