محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي
محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات أخبار مصورة صحة وجمال كاريكاتور فيديو إنفوجرافيك علوم وتكنولوجيا منوعات طفل وأسرة عين الرأي

يتيم أيها القلب

طباعة
انسخ الرابط
تم النسخ
نادية ابراهيم القيسي

بطاقة دعوة فرح في قبضة يد مرتجفة تَقرأ بغصة تلو الغصة عبارة نقشت بماء مذهب..

(يتشرف أبناء المرحوم بدعوتكم لحضور حفل زفاف..) ينهمر الدمع أنهاراً برغم كل الكبرياء والمكابرة، وحال الفؤاد -المكتوي بحرقة نارٍ مشتعلةٍ لا تنطفي أبداً - يردد بأنين صامت.. «آه كم أشتاق أيام أبي، ذلك الرجل الرهيب العَصَبِيُّ العَصَبي».

لا يختلف الواقع كثيراً بين أن تكون تلك اليد القابضة على بطاقة الدعوة لِهِيَ أو هو.. ففي هذه اللحظات تتجلى معاني الفقد واليُتم لتفرض نفسها فوق كل سعادة كما هو الحال دائماً في كل المواقف الفارقة في الحياة سواءً كانت لفرح أو ترح.. لمن كان قدرهُ أن يكون يتيمًا فاقدًا لأحد الوالدين أو كلاهما.. فمهما اختلفت مصطلحات اللغة وفندت ما بين اليتيم.. العجِيّ واللطيم.. يبقى الفقد بكل أنواعه واقعاً أليماً.. لا يدرك حجم آلامه إلا من يعيش شكلاً من أشكاله.

يقال إن بعد البلوغ لا يُتم.. لكن عندما تتكالب عليك الدنيا.. تضيق بك الأنفاس.. يتعاظم كل ما يعتمل في صدرك.. فيعصى عليك الدمع من هول ما تتجرع من السم الزعاف تجد نفسك لا شعوريًا تبحث عن حضنٍ يحتويك بدفئه.. صدر أم رؤوم تختبئ فيه كطفلٍ مرتعد من جبروت البشر.. وقساوة الأيام.. أو أنك تبحث عن ذلك السند العتيد.. الكتف المتين لأب تركن إليه لتشد به الأزر.. وتنهل من حكمته المخضرمة التي اعتصرها من خبرات الزمن فيُسقيكَ منها علماً ورُشداً وحينها فقط تنقشع عن عينيك الغمام وتستقيم أمامك الطريق فتَحُث فيه الخطا معتداً بالذات?بكل اصرار وعزم. أما دون ذلك تبقى تائهاً في دروب الحياة.. تبحث عن أرواحٍ تزرع فيك ذلك الحس المفقود بالطمأنينة.. الأمان.. وبأن كل شيءٍ سيكون على ما يرام، تبحث عمن، يتبنى يُتم قلبك بلمسات حنانٍ دافق مخففة عنك مُرَّ الأيام. فكيف لذلك الانكسار الداخلي أن يتلاشى بمجرد أن تمضي العقود ويقوى اليافعَ من العود.. أيصبحُ الانسان فجأةً هكذا بلا ذاكرة مختزنة لم يصليه الحرمان ولم يتكبد القهر قبل الأوان.. فيمضي قدماً كأن شيئاً ما كان!. إن الراحلين من الأحبة.. تبقى أماكنهم في الأفئدة شاغرة.. لا يملأ فراغها إلا ذلك الصدى الم?وي بتراتيل الاشتياق كلما هبت رياح الحنين.. فكم من روحٍ فقدناها.. فتيتمت فينا من بعدهم المشاعر.. ما بين أخٍ.. كان هو العضد.. وبعد الله المستند.. صديق صدوق، كان في السراء والضراء الملجأ والمقصد.. زوج كان هو في الكون المرساة وتذوي بوجوده كل معاناة.. زوجة كانت هي العشق والهيام مكمنٌ للسكينة والانسجام... فجاء القضاء.. وبقينا بعدهم بوحدة وشقاء.

اليُتم.. أيضاً ليس بالضرورة ذلك الناتج عن الموت فهناك أنواع منه قد تكون أكثر تأثيراً وبتبعاتٍ أقوى على مر السنين.. فاليتم العاطفي يتولد بغياب الاهتمام.. الاحتواء.. والترابط الأسري.. ما بين الانشغال المستمر لأحد الأبوين أو كلاهما لمختلف الأسباب أو التركيز فقط من قبلهم على توفير الاحتياجات المادية.. متطلبات المعيشة اليومية والالتزامات الحياتية للعائلة بعيداً عن أي تواصل أو تفاعل حقيقي على المستوى المعنوي وبشكل عميق مع فلذات الأكباد مما يخلق لدى الأبناء الشعور بالإهمال والجفاف العاطفي. ومع تعرضهم في بعض الحال?ت لسوء المعاملة التي قد تصل لحد القسوة المفرطة في بعض الأحيان يتعزز عندهم الميل للانطواء والانعزال وعمق الاحساس باليتم العاطفي. أيضًا في بعض حالات الطلاق والانفصال بين الوالدين يقل أو ينعدم وجود أحد أركان الأسرة (سواء الأب أو الأم).. فيَنشأ ذلك الاحساس بالضياع والتشتت النفسي عند الأطفال والذي قد يرافقهم لمراحل مختلفة في حياتهم وخاصة في مرحلة الشباب والتي تجعلهم فريسة سهلة لمغريات شتى قد تسبب لهم الانحراف عن طريق الصواب واللجوء لأساليب مختلفة لتعويض ما مروا به من مشاعر سلبية مهما كان الثمن. أما مجهولو النسب?فهم أيضاً يعتبرون من الأيتام بشكل أو بآخر وقد يكون يُتمهم هو الأقسى فطبيعتنا البشرية والمجتمعية تتفاخر دوماً بالانتماء للجذور والفروع.. العائلات والحمائل وتتغنى بمفهوم العزوة والفزعة.. فما كان قَدر مجهولي النسب تحت هذا النسق الاجتماعي إلا الحرمان من تثبيت أدنى الحقوق الشخصية وهو معرفة الهوية الذاتية لكل منهم لتحقيق الخطوات الأولى في معرفة الذات والبناء عليها وتنميتها لخوض معترك الحياة. فعدا عن نشأتهم في دور الرعاية المخصصة لذلك وما يتعرضون له من صعاب مختلفة خلال هذه النشأة المفتقرة للكثير من البديهيات المت?افرة في الأجواء الأسرية السوية فهم يواجهون عند بلوغهم السن القانوني مستقبلا مجهولا بخروجهم الاجباري من هذه البيوت الحاضنة بلا مهارات متمكنة.. خبرات كافية أو مساندة ومتابعة حقيقة تؤهلهم خوض غمار الحياة ومواجهة الوصمة الاجتماعية التي تلازمهم منذ نعومة الأظفار فمهما أدعى المجتمع المثالية فهو قد يكون متعاطفاً مع مجهولي النسب ولكن غير متعاون معهم أو متقبل لانخراطهم بشكل كامل فيه وهذه تعتبر من القضايا المهمة التي يجب تسليط الضوء عليها ومعالجتها بحكمة بالغة لمنع اهدار الطاقة الشبابية لهذه الفئة المجتمعية وتفعيلها?بالشكل السليم والقويم مما يجعلها فئة بناءة هادفة مساهمة بفعالية في بناء المجتمع ومنع ضياعها في طرق غير سوية تدمر فيها ذاتها وما حولها.

إن رعاية اليتيم نهج ديني.. أخلاقي، إنساني حثت عليه كل الديانات السماوية، ليُعمم على البشرية كافة كما في الدين الاسلامي الحنيف الذي حث بمواضع متعددة في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة بحفظ حقوق الأيتام المعنوية والمادية وتوفير البيئة الحاضنة لهم بكفالتهم والعناية بهم بشكل مستمر والنهي عن إيذائهم قولاً أو فعلاً.. وبَشر من أحسن التعامل معهم بجزيل الثواب وعظيم الأجر ترغيباً في احتضانهم، التخفيف من مصابهم واحتوائهم في مجتمعاتهم.

برغم كل شيء يبقى يُتم القلب هو يتمٌ حقيقي واقعي مؤلم مهما تقدم العمر.. وتلطفت الأحوال فلا تفتأُ الذكريات أن تلهب الكثير من التساؤلات الوجدانية اللاعقلانية.. في لحظات ضعف ووهن انسانية تمر مغررةً بنا.. ماذا لو كانوا ها هنا أو ما زالوا بيننا..؟؟ ألم نكن لننعم بحبهم، بِرهم، وأحضانهم أكثر فأكثر.. فنطفئ نار هذا الشوق المستعر؟ ونداوي في دواخلنا هذا الكسر الذي أبداً لا ينجبر؟؟. لكنها ستبقى مجرد تساؤلات وجعٍ طفولية عبثية وأحلام يقظة غير واقعية لا تغير من الأقدار شيئاً فنحن لا نملك إلا التسليم بما قُدر.. فاللهم لا ا?تراض على ما شئتَ وقدرتَ والحمد لله دائماً وأبداً.

والله من وراء القصد

محليات اقتصاد عربي ودولي رياضة كتاب ملاحق مجتمع شباب وجامعات ثقافة وفنون دراسات وتحقيقات
جميع الحقوق محفوظة المؤسسة الصحفية الاردنية
Powered by NewsPress