كتاب

«الامبراطورية الغاضبة»..!

من الطبيعي، مع حملة «الإعلام الغربيّ»، الذي أصابه سُّعارٌ غير مسبوق، ألّا يكترث أحد لما قاله الرئيس البيلاروسي «ألكسندر لوكاشينكو»، قبل أيام، عن «أن أميركيين وأوروبيين يقودون القوات الأوكرانية ميدانيّاً»، باعتباره الحليف الأقرب لروسيا، أو لبوتين، بحسب ما يريد ذلك الإعلام. بل ومطلوب أيضاً أن يصدّق الجميع بأنّ الجيش الأوكراني، ومقاومته، قادران على صدّ العملية العسكرية الروسية، بمجرّد دعم عسكري خارجي من دول حلف الناتو الكثيرة. هذا الجيش الأوكراني، الذي لم يخُض، منذ استقلاله عن جيش الاتحاد السوفيتي السابق في ا?عام 1991، سوى حَربَي العراق (ضمن قوّات التحالف الغربي)، وحربه مع روسيا في العام 2014.

صحيح أنّ العالَم اليوم يمرُّ بمرحلة قلقة ومضطربة في العلاقات الدوليّة، غير أنّ الوقائع تقول: «إنّ التدخّل الأميركي في أوكرانيا لا يقلّ عن التدخّل الروسي فيها». وهناك تسريبات مضادّة تقول بـ«أن ضبّاطاً أميركيّين يقودون كل العمليات العسكريّة الأوكرانيّة» على الأرض، بالإضافة إلى «الحرب السَّيبرانية»، وحرب الاستخبارات والإعلام، وبـ«أن هناك شركات علاقات عامّة تكتب خطب القادة الأوكرانيّين؛ كخطابات سفيرة أوكرانيا في أميركا، مثلاً»، ناهيك عن الحضور الدائم للرئيس الأوكراني، في معظم محطّات التلفزة الغربية والعالمية.

واللافت في حملة التغطية الإعلامية، للحرب في أوكرانيا، أنّ كلّ المعلومات والتحليلات تتمّ إحالتها إلى؛ «مسؤولين عسكريين أميركيين»، وإلى «مسؤولين في الاستخبارات الأميركية»، وإلى «النتائج الاستخباراتية التي رُفعت عنها السريّة مؤخرا»، وإلى «رئيس وكالة التجسس البريطانية»، وغيرهم من نفس نوعية «مسؤول أمنيّ كبير، رفض الكشف عن اسمه». ومَن لا يصدّق هذا الكلام، فما عليه سوى مراجعة ما تنشره «الواشنطن بوست»، أو «النيويورك تايمز»، أو «قناة الحرّة الأميركية»، وما شابهها من قنوات عربية وعالمية، والمطبوعات التابعة لها، في ل?دن وواشنطن، وفي عواصم إقليمية أخرى كثيرة.

حين يخرج وزير الخارجيّة الأميركي لإبطال مفعول التفاؤل، الذي أشاعته التصريحات المتفائلة للمبعوث الأوكراني إلى مفاوضات تركيا، داعياً إلى خفّض منسوب الترحيب، بشأن التقدّم في المفاوضات، فإنّ الاعتقاد بالتعطيل الأميركي لأيّة تسوية قد تصل إليها أوكرانيا وروسيا يصبح هو الأغلب والأرجح. فحجم السلاح الذي أمطِرت به أوكرانيا، بما في ذلك القفز المفاجئ والمتسارع عن مسألة حياد السويد والنرويج، يقول إنّ أميركا تبحث عن حرب أفغانستان جديدة، كي تُغرق روسيا في حرب لا نهاية لها إلّا بانهيار الدولة الروسية، وهو ما يستند إليه أص?اب نظرية الفخّ الأميركي في حرب أوكرانيا.

بالقفز، نسبياً، عمّا جرى في فترة إدارة ترامب، من خلل في العلاقات الأميركية الأوروبية؛ فالولايات المتحدة غير راضية عمّا يجري في القارة أوروبا واتحادها العتيد، ولهذا تفاصيل أخرى كثيرة. وعلى الرغم من عدم الرضى الأميركي هذا، فقد كانت واثقة من أنها قد حاصرت روسيا، وأنّ بإمكانها أن تمنعها من ممارسة أي نفوذ خارج حدودها (وهي ثقة تحطّمت بالتدخل الروسي في سورية، وقبله الأمريكان على مضض قوّة الأمر الواقع)، ذلك أنّ الولايات المتحدة كانت، حتى داخل حدود روسيا، فاعلة وناشطة في التجسّس، وفي الاختراق عبر منظمات المجتمع الم?ني، ومن خلال الإعلام الـ«جديد والمستقلّ». كما إنها، كانت ولا تزال، تستخفّ بالقوّة الروسيّة، مقارنة بتخوّفها من الخطر الصيني. فالقوة الاقتصاديّة هي أهم عناصر القوّة في الحسابات الأميركية، وهي كذلك بالفعل، فهي التي تؤهل لميزانيّات عسكريّة ضخمة. وموازنة روسيا العسكريّة بالكاد تصل إلى ثمانية بالمئة من الموازنة العسكريّة الأميركيّة المَهولَة.

لم يكن هناك امبراطوريّة في التاريخ ظنّت، مسبقاً، أن سيطرتها إلى زَوالٍ أو اضمحلال. وانهيار الاتحاد السوفياتي، في أواخر القرن الماضي، مَنحَ الإمبراطورية الأميركية يقيناً بضمان سيطرتها على العالَم لأجيال طويلة لاحقة. والبنتاغون يعرف، أكثر من غيره، أنّ ضمان الاستمراريّة الأبديّة للسطوة الأميركية لا يكون إلا باستمرار التفوّق العسكريّ. فهل هي اليوم في مرحلة إعادة النظر في الخطر الروسيّ على نفوذها الكونيّ..؟

رَفعُ موازنة الولايات المتّحدة العسكرية السنويّ إلى اثنين بالمئة، وفَرض تلك النسبة من الرفع على الموازنات العسكرية لكلّ دول أوروبا، يقول ذلك. بل ويقول أكثر من ذلك، بأنها؛ «امبراطورية غاضبة»، على نفسها ومخطّطيها، قبل أن تكون غاضبة من أعدائها، الذين تجرأوا على مواجهة نفوذها.

fafieh@yahoo.com