كتاب

البَحثُ عن «الحَقيقة» و«أدواتها»..

كثيرون تفاءَلوا، قبل نحو عقدين، مع مطلع الألفية الجديدة، بثورة الاتصال الحديثة، وربطها باتّساع حرية الرأي والإعلام، سيّما وأن نشرَ «الخبَر» أصبحَ في متناوَل أيّ يد، وأيّ وَعي، وأيّ ثقافة؛ ولكن أيّ خبَر، وأيّ حقيقة..؟. وأذكرُ أنّني كتبتُ هنا، قبل أكثر من عقد، ضدّ هذا التفاؤل، وعن عصر «الصراع على الصورة». فـ«مخرجات الوسائل الإعلامية..»، أو حتى «وسائل التواصل الاجتماعي»، لَم تعُد تعكس الواقع كما هو، بما في ذلك الصورة. فصار الواقعُ، أو الحقيقةُ، تحتاج إلى تنقيب مُضنٍ، عنه وعنها، وسطَ ركامٍ مِزق من الصور المُرك?بة، ووسط فَيضٍ من الكلام المرافق لها، فضلاً عن المؤثّرات الصوتية، التي تحجبها وتحجبه أكثر مما تكشفه. فالصورةُ، أو الخَبرُ، أو الحدثُ المُقدّم من زوايا مختلفة، وبرُؤىً متناقضة، لم يعُد وسيلة إثراء وكشفٍ للحقيقة، بقدر ما أصبح وسيلة وأداة تشويش وخَلطٍ وبلبلة، وإلى درجة تصل في تناقضها إلى حديثٍ «يتعلّق بحدثين مختلفين تماماً..».

والحالُ نفسه يسري على الثقافة أيضاً، بما هي المعرفة المكتسبة من وسائل الاتّصال، أيّاً كانت. إذ صارت الثقافة صناعة كغيرها، وتخضع إلى معايير وقِيَم وقوانين السوق، بما في ذلك التعليب والتنميط والتسعير والدعاية والتسويق. وبالتالي، كان لا بُدّ من اختصارها في «التسلية والاستهلاك العابر..»، حتى لو أدّى ذلك «للتلاعب بأذواق الأفراد وحسّهم..» ومعارفهم، مع ما يرافق ذلك من شيوع ظواهر الاغتراب والتهميش، وتفشّي ثقافة الاستلاب والاستهلاك.

لم يكن تفاؤل الكثيرين في محلّه، حين ظنّوا أنّ ثورة المعلومات، وتكنولوجيا الاتّصال، ستقوم بردم الهوة الثقافية والمعرفية، بين الأغنياء والفقراء، وبين الشمال والجنوب. فالصراع على الصورة «حقيقية» كانت أم «مُفبركة..»، على أنّها الحقيقة، وصلَ إلى حدّ السُّعار المَحموم، متّخذاً أشكالاً وحشيّة ومتوّحشة، في تشويهها وتَمويهها، وصولاً إلى صناعة حقيقةٍ أخرى، لا تمتُّ إلى الأصل في شيء.

فصورةُ «الكاميرا..» الحيّة، التي تُشكّلُ اليوم محور صراعٍ خاص، حول الحقيقة، وفي مختلف أنحاء المعمورة، أصبحت هي الموضوع والهدف والغاية. فما تُركّز عليه «الكاميرا..» يَعلَقُ في الأذهان والمخيّلات، أما ما تتركه وتتجاهله فيَمَّحي ويزول إلى الأبد من ذاكرات الناس. وكأنّ الصورة تستخلف الواقع وتستبدله، لتصبح هيَ الواقع نفسه، وبديلاً له. ما يعني «أنّ الصورة تستحضر الغائب، وتُغّيب الحاضر..»، وهو ما يؤكّد كتاب «تشكيل الوعي الاجتماعي»، لصاحبه محمد قيراط. فالصورة صارت هي السلعة والبضاعة الأساسية، في الصناعة الإعلامية، ?في الوقت عينه، أصبحت أيضاً وسيلة للتلاعب والتضليل، وإعادة تركيبٍ للحقيقة وللواقع وبنائه، بحسب مصالح ورؤى المُهيمنِين عليها، من أباطرة شركات الإعلام والمال والسياسة، وما يتخفّى الآن تحت مظلّة إعلام وسائل التواصل الاجتماعي، ومعاييره، وما يتفرّع منها من أدوات اتصال. فلم يعُد المال وحده ما يحرّك ويُديرُ أدوات الإعلام ووسائله، في أي مجتمع، بل هناك قوى أخرى، تستشرسُ في الاستحواذ والسيطرة عليها، من أجل إيصال رؤيتها للجمهور وللرأي العام، بل وتُوظّف لذلك جيوشاً من البشر ومن الروبوتات، بهدف الاستحواذ على المعلومة وإ?ادة إنتاجها وصياغتها. فبتقدّم وسائل الاتّصال وتقنيّاتها، تزايدت سطوة الديمقراطية والشفافية في معظم المجتمعات، حتى تلك التي لا تُطبّق فيها، ما رفع من قيمة وأهمية الاستيلاء على رأي غالبية الشعب، أو ما يسمّى اصطلاحاً بالرأي العام.

وهنا وصلنا إلى مرحلة صارت فيها معايير الكلام، عن وسائل الإعلام الحديثة، كالموضوعية والمهنية والبراءة، والبحث عن الحقيقة وتقديمها كما هي، أمرٌ مشكوك فيه، ومَدعاة للسخرية عند البعض، بل وتدخل في سياق الوعظ الأخلاقي العام، أو كجزء من عملية الصراع على كسب المشاهدين. فوسائل الاتّصال الحديثة والإعلام، وبفضل مكانتها الاستراتيجية في التأثير، في حياة المجتمعات، وبفضل قوّتها ونفوذها، في عملية صناعة وتشكيل الوعي والرأي العام، أصبحت أمراً أكثر خطورة وأهمية من أن يُتركَ أمرُها إلى أصحابها أو العاملين فيها. فاستقطبتْ، به?ا، اهتمامَ قُوىً خفيّة، غير القوى التقليدية، السياسية والاقتصادية والدينية وغيرها، في محاولة السعي المحموم لتشكيل الوعي العام للناس، والاستحواذ عليه، لتُصبحَ الحقيقة أبعد من أن تكون في متناول كثيرين، على الرغم من توافر أدوات الحصول عليها ووسائلها بين أيدي الجميع..! fafieh@yahoo.com