ارتفاع الأسعار أو انخفاضها عرض اقتصادي، يكشف عن اختلالات مختلفة وكثيرة، كتذبذب علاقة العرض والطلب، (وهذا قد يكون مؤقتاً نتيجة زيادة الطلب على السلع الغذائية في شهر رمضان وفي الحالات الجوية الصعبة، وقد يكون دائماً في حالات ارتفاع كلف الإنتاج والتخزين وغيرها) كما قد تسبب الانقطاعات في سلاسل التوريد والاختناقات على الموانئ زيادة في الأسعار. عموماً يمكننا تسطيح أسباب الزيادة بربطها بارتفاع الطلب على السلع أو الخدمات مقابل عرض لا يستطع تلبية جميع احتياجات الزبائن.
تحديد المشكلة بهذا الشكل البسيط يساعدنا على رسم معالم لجدوى الحلول الممكن اتباعها، فأول ما قد يخطر على البال هو زيادة العرض ليكافئ الطلب، وهذا ممكن في بعض الحالات التي قد ينفع فيها الاستيراد أو زيادة الإنتاج وقصر التصدير على الفائض من المنتجات لاسترجاع حالة التوازن المنشودة، مع اخذ ثبات او تناقص تكاليف الإنتاج والشحن والتخزين بعين الاعتبار، وإلا فزيادة العرض ستقلص فجوة الارتفاع السعري ولن تردمها نهائياً إذ ستبقى فروقات التكاليف السابقة محملة على هامش الزيادة.
الحل الثاني سيكون في تقليل جودة المنتجات والخدمات لتقل تكلفتها ويقل سعرها، وهذا حل جزئي سيقلل من معاناة المواطنين ويخفف من الازمة، أما الحل الثالث فهو تحديد سقوف سعرية للمنتجات، ولنجاح هذا الحل يتطلب من الحكومة اجراء عمليات حسابية معقدة لكل منتج او خدمة على حدة، يتم فيها حساب التكلفة واخذ اثر زيادة الطلب عليها، وضمان هامش ربح معقول للمصنع والتاجر وغير ذلك من التفاصيل اللوجستية والرقابية الكثيرة للوصول لحالة فرض سعر متوازن يمثل سيناريو مربحاً للجميع، وهذا العملية لابد من مراجعتها دورياً لضمان تحديثها حسب حالة المتغيرات الكثيرة المتداخلة في حساباتها.
زيادة الأسعار الحالية لن تكون الأخيرة على الاغلب فالاقتصاديون يتحدثون عنها منذ منتصف العام الماضي، فسلاسل التوريد والشحن لم تتعافَ الى الآن وارتفاع أسعار الوقود القياسي يؤثر على كلف الانتاج عموماً التي لم تعد حتى اليوم لمستويات انتاجها القصوى بعد الاغلاقات الماضية التي أدت لتسريح عدد كبير من العمالة، ناهيك عن التقلبات المناخية والحروب التي اثرت في الإنتاج الزراعي.
بعض الحلول التلطيفية سريعة الآثار قد تتمثل في تقليل العبء الضريبي على البائع والمشتري، مما سيشجع القوة الشرائية، إضافة الى تقليل كلف فاتورة الطاقة على المصنعين، لكن الحل الحقيقي والاستراتيجي يكمن في رفع الأجور بما يتناسب مع ارتفاع الاسعار والتضخم العالميين.
رفع متوسط الأجور لن يحدث إلا بارتفاع معدلات الناتج المحلي ومعدلات النمو، التي تقلل بدورها من نسب البطالة والفقر، وهذا بدوره لن يحدث أو يتحول الى حقيقة ممكنة الا باعتماد تحول اقتصادي شامل يركز على الإنتاجية الحقيقية الملموسة والمادية.
الاقتصاد الأردني خدمي ويعتمد على العمالة غير المنظمة بدرجة كبيرة، فهو يفتقر الى الإنتاج الحقيقي الصناعي أو الزراعي مما يجعله حساساً اتجاه الازمات، ومحدود القدرة على خلق التمويل المطلوب للتنمية بشكل ذاتي، لذلك فنحن بحاجة الي استراتيجية حكومية اقتصادية شاملة تمنحنا الامل المطلوب والضروري بغد اردني أفضل.