من لم يعرف أبو علي صاحب كشك الثقافة العربية الذي أسلم الروح لبارئها يوم أول من أمس، فهو لم يعرف عمان ولم يقلب صفحات تاريخها المجيد، فعلى جنبات ذلك الكشك الغني كانت الشمس تغور بين البساتين لتزهر حبًا وجمالًا وتنبت معرفة وثقافة، وأبو علي الرمز والعنوان أبيٌّ شامخ يلملم رزقه بعرق الأردني الصابر المكافح وهو غير آبه بثمن كتاب يبيعه بقدر ما كان يستقبل المارة من الناس والضيوف من زوّار الأردن بابتسامته التي منحته فيزا الدخول إلى قلوب العامة والخاصة بلا استئذان.
مات أبو علي والموت حق علينا، ولكل منا أجل لا يستأخر ساعة ولا يستقدم، والناس كما تعلمنا صنفان موتى في حياتهم وآخرون ببطن الأرض أحياء، فلله درّ أبا علي ابن عمان المنتمي لوطنه وقيادته كيف استطاع أن يفرد أجنحته على امتداد مساحات الأردن ليحبه الغني والفقير والوزير والمدير والطفل والكبير، أيُّ توافق حاز عليه الرجل في قلوب الملايين الذين راحوا ينعونه بكل أسى وحزن حقيقي خال من مكملات التجميل وعبارات التبجيل التي تقال في وفاة الكثيرين تزلفًا يُتعب معه المنافقين، وأي صفات تلك التي حباها الله رجلًا امتهن بيع الكتب وتعهد بنشر الثقافة في أرجاء الوطن عارضًا المئات من المصنفات الأدبية والكتب العلمية والسياسية وكتب السيرة الذاتية والعشرات من الكتب التي تغنت بتاريخ الأردن وكفاح قيادته وبطولات جيشه.
رحل سادن الثقافة أبو علي الذي علّمنا دروسًا في الحب النقي الخالص المجرد من منفعة هنا أو مصلحة هناك، ففي مدرسته عرفنا كيف يموت الإنسان ويرحل وتبقى ذكراه حاضرة وعرفنا أيضًا أن الرجال أمثال أبو علي المثقف وحينما تُسدل الستارة على حياة هذا الإنسان الطيب فوق الأرض فإنه بهذا الموت إنما يحتجب عن البصر ومرأى العين وأما روحه فتبقى ولسوف تبقى تحوم بيننا وأمامنا ليل نهار بفعل حجم المساحات التي شغلها بحياته والمكانة التي بلغها بخلقه واستقامته ونزاهته ونظافة يده ولسانه وهو الذي لم يقرب السحت ولم يخلط لقمة عيشه بمال حرام.
بين الحين والحين يندفع الموت فينهش نهشه ويمضي والحياة باقية وماضية في طريقها متدفقة فوّارة لا تكاد تحس بالموت أو تراه، فسرعان ما يندمل الجرح وسرعان ما تشرق الشمس وتغرب، ولكن يبقى فينا نحن الأحياء بعض من آثار الذين يرحلون خاصة إذا ما كانوا على قدر أبي علي الذي عاش حياته لنشر فكرة حتى بدت حياته عميقة وطويلة لأنه يعرف أنه بمحبة الناس له قد ربح أضعاف عمره الفردي المكتوب والمقدر له في اللوح المحفوظ يوم خلق الله السماوات والأرض، ليعلمنا أيضًا أننا عندما نهب الآخرين أجزاءً من وقتنا فإن شعورنا بأيامنا وسعاتنا ولحظاتنا سيكون أطول مما هو عند سوانا.
عاش أبو علي رجلًا هادئًا ومات بهدوء، وستبقى شمس عمان منارة علم ومعرفة وثقافة وكلما مرّ أحدنا من وسط البلد قال هنا كان ذلك العظيم.