كتاب

«الجغرافيا السياسيّة».. و«مَصائرُ الدَّولَة العَاديّة والقارّية»

المحاولَة الروسيّة، في أوكرانيا، تُعيد، من جديد، طرحَ سؤال «مَصائرُ الدَّولَة العَاديّة والقارّية».

لا يزال الفكرُ العربيُّ أسيراً، ومفتوناً، بآخر إصداراته، في علوم الجغرافيا السياسية، بكتاب «شخصية مصر.. دراسة في عبقرية المكان»، للمصري جمال حمدان، بأجزائه الأربعة، التي صدرت في العام 1967، والتي يمزج فيه بين الجغرافيا والتاريخ والسياسة والعلوم الطبيعية والإنسانية والتطبيقية الأخرى، فتمثّلت رؤيته في؛ «شخصية مصر الطبيعية»، و«شخصية مصر البشرية»، و«شخصية مصر التكاملية»، و«شخصية مصر الحضارية». وتَلَتها محاولاتٌ بائسة، من آخرين، للتأصيل لغزو إبراهيم باشا لبلاد الشام، كمحاولة تكاملية وحدوية قومية.

في العام 1897، أصدرَ أستاذ الجغرافيا في جامعة «ليبزيج» الألمانية، «فريدريك راتزل»، كتابه «الجغرافيا السياسية». وهو أول كتاب منهجي في الجغرافيا الحديثة، وفيه معالجة للشأن السياسي من زاوية جغرافية، باعتبار الجغرافيا السياسية جزءاً أساسيّاً في حقل البحث الجغرافي. وفي مضامين الكتاب، يشير «راتزل» إلى «قوانين سبعة للنموّ الأرضي للدولة»، وهيَ؛ رقعة الدولة تنمو بنموّ الحضارة الخاصة بها. فبانتشار السكّان، وحَملهم معهم طابعاً لحضارتهم، فإنّ الأرض الجديدة التي ينتقلون إليها، أو يحتلونها، تزيد مساحة الدولة الأم؛ ونموّ الدولة هو عملية لاحقة لكافّة المظاهر الخاصة بنموّ السكان، وهو ما ينبغي له أن يتمّ قبل أن تبدأ الدولة بالتوسّع، بمعنى أنّ بناء وتكوّن الهوية الوطنية، أو القومية، والثقافية، يسبق التوسّع التجاري؛ نموّ الدولة يستمرّ إلى أن يصل إلى مرحلة الضمّ، من خلال إضافة وحدات صغرى إليها؛ حدودُ أيّ دولة هي الوعاءُ الحيّ الذي يحميها، وتحدّدُ مراحل نموّها، إذا قُدِّرَ لها أن تنمو؛ الدولة، في نموّها، تسعى إلى هَضمِ وامتصاص الأقاليم ذات القيمة السياسية والغذائية، سهولًا، ومناطق ساحلية، ومناطق تعدينية؛ دافع التوسّع الأوّل يأتي إلى الدولة البدائية من الخارج، فالدولة الكبرى، بتقدّمها وبتزايد سكّانها وحاجاتهم، كلّ ذلك يدفعها إلى التوسّع (الفكرة الاستعمارية؛ التي تطوّرت لاحقاً بأشكال مختلفة)؛ والقانون السابع هو أنّ الميلَ العام، للتوسّع والضمّ، ينتقل من دولة إلى أخرى، ثم يتزايد ويشتدُّ.

فالدولة، عند «راتزل»، هي كَائنٌ حيٌّ، تدفعه الحاجة والضرورة إلى النموّ، حتى لو أدّى هذا إلى استخدام القوة، وهي فكرة بيولوجية مجرّدة للدولة (طوّرها لاحقاً البريطاني تشارلز داروين، في نظرية الانتخاب الطبيعي عام 1838). وهي نظرية عنصريّة، وجدت صداها المُشوّه، في الفكر العربي، لاحقاً، عند اللبناني شبلي شميل، والمصري سلامة موسى، في أواخر القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين.

في كتاب «الجغرافيا السياسية»، كان «راتزل» هو أول من درس علاقات المكان والموقع دراسة منهجية، لدول مختلفة، فكان، بهذا، مؤسساً لعلم جغرافيا السياسية بجدارة، أو ما يسمّى اليوم، في اللغة الإعلامية، بـ(الجيوسياسي؛ أو الجيوبوليتيك).

كان مصدر قوانين تطوّر الدولة، عند «راتزل»، هو التطوّر المتسارع للعلوم، وخصوصاً علوم الطبيعة، التي أنتجت أفكاراً سياسية واجتماعية مغامرة، وجدت تأثيراتها على هيئة حروب مدمّرة. غير أنّ خلاصة أفكار «راتزل» كانت تدور حول؛ تأكيد الطبيعة العضوية والحيّة لكيان الدولة، وأنها كينونة بيولوجية جذورها في الأرض، وكينونة معنوية وخُلقية، مستمدّة من ارتباط الإنسان بأرض يعمل فيها، ويعيشُ على مصادرها، ويحتاج إلى حمايتها. كما إنّ نشاطات الإنسان، وصفاته، وكثافة السكان في الدولة، ليست سوى نتاج الموقع والحجم والبيئة الطبيعية والحدود. فالحدود السياسية للدولة هي «كالجلد بالنسبة لجسم الأحياء».

ولعل الأهم، عند «راتزل»، هو رَبطه بين المساحات القارّية الكبيرة للدولة، وبين القوة السياسية لها، فمسطح المكان الكبير هو طاقة سياسية، يمكن لها أن تظهر وتبرز مع حسن استخدامها، وكان أبرز الأمثلة عنده هو نمو الولايات المتحدة الأميركيّة، كقوة كبيرة داخل إطار من «المكان» الكبير. فـ«راتزل»، كان يعتقد، بهذا الفهم للدولّة القارّية، أن دور أوروبا سوف يتضاءل، وأن تاريخ السياسة العالمية سوف تسيطر عليه في القرن العشرين الدول ذات المساحة العملاقة، التي تحتلّ مكاناً كبيراً من القارات مثل؛ أميركا وروسيا وأستراليا.

تاريخيّاً، أثبتت الوقائع أنّ «الدولة تستمد قواها من أقاليمها»، وذلك في إطار العلاقة المتبادلة بين الدولة والمكان. أما سقوط الكثير من الدول، في الماضي والحاضر، فهو راجع إلى أن هذه الدول قد تجاوزَت «مكانها» الجغرافي، أو بسبب تصوّرات خاطئة عن تنظيم «المكان» الجغرافي للدولة، وفي كلا الحالَتين تكون النتيجة سقوط الدولة؛ لأنها أصبحت غير قادرة على تحمل أعباء إضافية، في حالة التوسّع المستمر، أو لأنها أفسدت المكان الجغرافي، في حالة إعادة تنظيم المكان، ما يؤدّي إلى تخريب في الإنتاج ومراكز القوة في الدولة.

fafieh@yahoo.com